رسالة لنيل دبلوم الدراسات المعمقة تحت عنوان "العنف الأسري ضد المرأة بالمغرب أية حماية ؟"

العنف ضد النساء













رسالة لنيل دبلوم الدراسات المعمقة تحت عنوان “العنف الأسري ضد المرأة بالمغرب أية حماية ؟”

بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة:
تعتبر قضية العنف ضد النساء من أبرز القضايا التي بدأت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة كظاهرة سلوكية تتصف بها المجتمعات وذلك بعد أن تزايدت حدته وتعددت أشكاله وأصبح يشكل تهديدا لأمن المرأة واستقرارها وانتهاكا صارخا لحقوقها وكرامتها ككائن بشري.
وليس معنى هذا أن العنف ضد المرأة هو ظاهرة حديثة أو وليدة العصر الراهن، بل تعد من الظواهر القديمة قدم المجتمعات الإنسانية، فقد شهد التاريخ على أن المرأة عانت ولاتزال من كل أشكال العنف والاضطهاد والتمييز، منذ الماضي القديم منذ أن كانت تباع وتشترى وتوأد في التراب إلا أن جاء الإسلام وكرمها وسواها بالرجل ومنحها من الحقوق والحماية ما لم يمنحها تشريع آخر، ولكن مع ذلك ظلت مشكلة العنف سارية إذ لم يقتصر على مجتمع معين ولا على فئة معينة، بل شملت كل الثقافات وتحدث كل الحدود والفئات الاجتماعية.
ومع تطور الحياة اليومية تطورت مظاهر العنف الممارس على المرأة وتعددت أشكاله لتكشف عن أنواع جديدة من العنف وأكثرها خطورة ويتعلق الأمر بالعنف الأسري والذي يعد من أبرز مظاهر العنف وأكثرها شيوعا داخل المجتمعات كونه يطال المرأة داخل مؤسسة الأسرة والتي من المفترض أن تكون وحدة الأمان والاستقرار التي ينطلق منها الفرد إلى مجتمعه الأرحب.
وإلى عهد قريب كان العنف الأسري بمثابة طابو اجتماعي وشيء ينظر إليه كشأن داخلي لا ينبغي التصريح به علنيا إلى أن أصبح في ظل التطور الحضاري مسألة مكشوفة وموضوعة على طاولة البحث والتدقيق والمسائلة والإدانة، حيث أضحى في العقد الأخير من القرن العشرين من أهم القضايا التي أميط عنها اللثام وزعزعــت سلطتهـــا التـــي تخفـــي وراءهـــا مجموعـــة من الممارســــات العدوانية واللإنسانيـة.
وعلى الرغم من تعدد أشكال العنف الأسري الموجه ضد المرأة بتعدد الأطراف المكونة للعلاقات الأسرية، فإن الملاحظ على أن العنف المرتكب ضد الزوجة من طرف الزوج أو ما يعرف بالعنف الزوجي هو الذي يطغى بشكل كبير على العلاقات الأسرية، وهو ما كشفته العديد من الأبحاث والدراسات الميدانية الخاصة بالعنف، حيث أضحت الزوجة عرضة لكل أشكال العنف النفسي والجسدي والجنسي.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

هذا الأمر إنما يعكس طبيعة العلاقة الزوجية في يومنا الحالي التي لم تعد تقوم على العطاء والحب والعيش المشترك بل أضحت العلاقة الزوجية بين الرجل والمرأة تحكمها ملامح متنوعة من السلوك العدواني والعنف تختلف في درجاتها وحدتها وآثارها من علاقة لأخرى ووفقا للظروف البيئية والثقافية المحيطة بهذه العلاقة.
 فالعنف كظاهرة لا يمكن إلا أن يتأسس على علاقات قوة بين شخصين بحيث يحاول أحد الطرفين بسط نفوذه على الآخر بوسائل العنف والإكراه وتجسيدا لإرادته في القوة والسيطرة على الآخر وإهانته إن اقتضى الأمر من خلال الانتقاص من قيمته إلى أن يخضع ويستسلم، لذلك فإن اللجوء إلى العنف في العلاقات الشخصية وبالتحديد اتجاه الزوجة، إضافة إلى أنه يعبر عن أزمة في العلاقة وإخفاق في التواصل فهو يعكس وجود علاقة سيطرة لا تزال تطبع الروابط بين الجنسين عموما، بحيث كثيرا ما يبدو العنف الذكوري داخل الأسرة بمجتمعاتنا وكأنه آلية من آليات الضبط والتحكم في النساء.
وبما أن ظاهرة العنف الأسري وبخاصة العنف الزوجي تعتبر من المصطلحات الجديدة لمشكلة قديمة ومتجدرة في المجتمعات البشرية وإدراكه كمشكلة اجتماعية لم يتم إلا في السنوات الأخيرة، فقد أصبح من الأهمية بمكان تناول هذه الظاهرة باعتبارها أحد ملامح العنف الذي يؤثر بشكل كبير على استقرار الأسر والمجتمعات خصوصا بعد شيوعة واستشرائه داخل كل الفئات والأوساط الاجتماعية.
فهذا العنف إضافة إلى أنه يشكل خطورة كبيرة على الفرد والمجتمع بحيث يصيب الخلية الأولى من المجتمع بالخلل مما يعيقها عن أداء وظيفتها الاجتماعية والتربوية في أحسن الظروف والأحوال ويساعد على إعادة إنتاج أنماط من السلوك والعلاقات الغير سوية بين أفراد الأسرة، فهو يعتبر مشكلة اقتصادية خطيرة لما يرتبه من خسائر مادية تتمثل أساسا في تعطيل الطاقات البشرية والاجتماعية مما يشكل عرقلة حقيقية لجهود التنمية.
وإذا كان الاهتمام بظاهرة العنف ضد المرأة لم يأتي إلا في أواخر القرن العشرين فإن الشريعة الإسلامية تعد السباقة في هذا المجال والتي جاءت لتعلن عن إنسانية المرأة كاملة غير منقوصة  وتمنحها كامل حقوقها وعزتها وكرامتها ونبذ كل أشكال العنف والميز ضدها وتحلها بذلك مكانة مساوية لمكانة الرجل ،

، قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا”


     وقد تجلت حماية الإسلام للمرأة بشكل أكبر داخل نظام الأسرة، والذي حرض على إقامتها وفق أسس سليمة ومثينة تحفظ حقوق الرجل والمرأة في العيش والتساكن وتؤدي إلى تماسكها وترابطها بحيث ينعم كل فرد فيها ويجد في ظلالها الرأفة والحنان والاستقرار.
ولما كانت العلاقة الزوجية بالغة الأهمية، إذ منها تنبثق الأجيال فقد جعل الإسلام ترابطهما بعهد وثيق كيانه المعروف والإحسان من كل واحد منهما إلى الآخر، كما جعل أساس هذه الرابطة المودة والرحمة قال تعالى: “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ”
   وحتى يتحقق الاستقرار والعدل داخل هذه العلاقة فقد ساوى بينهما في الحقوق والواجبات وجعل لكل من الزوجين حقوقا وعليه واجبات بما يدعو إلى تحقيق التوازن والتماسك داخل الأسرة وإقرار المساواة في المسؤولية المشتركة بينهما في تدبير ورعاية الأسرة وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ”.
   
       إذن كل هذه النماذج الحية والقيم المعنوية التي شرعها الإسلام لبناء الأسرة، إنما تبرز بجلاء حرص تشريعنا الإسلامي وعنايته البالغة بأن تستمر الخلية الأسرية ويحضى كل أعضائها بالاستقرار والسكينة والحماية بعيدا عن كل أشكال العنف التي يمكن أن تشوبها خاصة باتجاه المرأة والتي من شأنها أن تدفع وحدتها نحو التشتت والهلاك.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

أما على الصعيد الدولي فرغم التطورات المهمة التي عرفتها المنظومة الدولية في مجال حقوق الإنسان، فإن قضية العنف ضد النساء لم تكن من القضايا المدرجة ضمن جدول أعمال المهتمين حتى مطلع التسعينيات من القرن العشرين، فقد تعامل معها البعض وفقا للاعتقادات الشائعة، فمنهم من رأى أنها من الأمور الخاصة التي لا ينبغي اقتحامها، ومنهم من رأى أنها طاهرة محدودة ولا توجد إلا في المجتمعات التي تعاني الفقر والجهل والتخلف. إلى أن بدأت القضية تطرح نفسها على الساحة الدولية حيث بدأت العديد من الجمعيات النسائية والمنظمات الحقوقية تتبنى قضية العنف القائم على الجنس وأجرت العديد من الدراسات والبحوث الميدانية التي أبانت عن ارتفاع متزايد في أرقام النساء ضحايا العنف، وبذلك استطاعت كسر حاجز الصمت عن هذا العنف وإخراجه من دائرة المعاناة الفردية إلى الوعي الجماعي وبالتالـــي الكشــف عنه

كظاهرة تستوجب الدراسة والتحليل.


  وهكذا تعالت الأصوات المنادية بضرورة التدخل الدولي لإقرار حماية خاصة للمرأة من كل أشكال العنف خاصة وأن المواثيق الدولية لحقوق الإنسان لم تكن كافية لتكفل مثل هذه الحماية ذلك أنها جاءت بمبادئ عامة تهدف حماية حقوق الإنسان دون تمييز بين الحياة العامة والحياة الخاصة، وهو ما أدى عمليا إلى تجاهل الانتهاكات الجسيمة للحقوق الإنسانية للمرأة خاصة داخل الأسرة.

    
وبالرغم من انعقاد الاتفاقية الدولية الخاصة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة غير أن هذه الاتفاقية لم تكن سوى امتدادا للاتفاقيات السابقة خاصة وأن قواعدها مستمدة أساسا من مواثيق الشرعة الدولية، وبذلك باتت الحاجة ملحة إلى ضرورة اعتماد اتفاقية خاصة تهدف إلى حماية المرأة من كل أشكال العنف والاعتراف به كانتهاك لحقوقها ككائن بشري.

وفي سنة 1993 أتاح مؤتمر الأمم المتحدة العالمي بشأن حقوق الإنسان الذي عقد في فينا الفرصة لشبكة عالمية متنامية من النشطاء المناهضين للعنف والتي تعرف باسم الحملة العالمية من أجل الحقوق الإنسانية للمرأة لتحقيق تغيير في السياسة بين الحكومات على مستوى الأمم المتحدة، ونتيجة للضغوطات الواسعة التي مارستها المدافعات عن حقوق المرأة أعلنت الأمم المتحدة أن العنف ضد المرأة يعد انتهاكا لحقوق الإنسان يستوجب انتباها عاجلا وفوريا، وأكدت أن حقوق المرأة من حقوق الإنسان وفي دجنبر 1993 اعتمد الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة والذي جاء مقررا للقواعد الخاصة بالتصدي للعنف ضد المرأة باعتبارها قضية من قضايا حقوق الإنسان.


(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

     ويعتبر الإعلان العالمي للقضاء على العنف ضد المرأة أول إعلان تضمن تعريفا شاملا وموضحا للعنف ضد المرأة بمختلف أشكاله بما في ذلك العنف داخل الإطار الخاص خصوصا في غياب تعريفات محددة لهذا العنف.


      وقد عرفته المادة الأولى من الإعلان على أنه « كل فعل عنيف تدفع إليه عصبية الجنس وترتب عليه أذى أو معاناة المرأة سواء من الناحية الجسمانية أو النفسية، بما في ذلك التهديد بأفعال من هذا القبيل أو القسر أو الحرمان من الحرية سواء حدث ذلك في الحياة العامة أو في الحياة الخاصة».
وهو نفس التعريف الذي ورد في الوثيقة الصادرة عن المؤتمر العالمي الرابع في بيكين بخصوص المرأة في عام 1995 والذي جاء في خضم المؤتمرات المهمة التي أعقبت الإعلان العالمي للعنف ضد النساء حيث أولت اهتماما أكبر لهذه الظاهرة، وقد جاء في هذا التعريف على أن العنف ضد المرأة هو« كل عنف مرتبط بنوع الجنس ويؤدي على الأرجح إلى وقوع ضرر جسدي أو نفسي أو جنسي أو معاناة للمرأة بما في ذلك التهديد بمثل تلك الأفعال والحرمان من الحرية قسرا أو تعسفا سواء حدث ذلك في مكان عام أو في الحياة الخاصة».

     ومن هذا المنطلق اتخذت قضية العنف ضد المرأة بعدا دوليا موسعا واهتماما ملحوظا عبر سلسلة من المحافل الدولية توجت سنة 1999 بالإعلان عن تخصيص يوم 25 نونبر من كل سنة يوما عالميا للقضاء على العنف ضد المرأة، وهو ما شكل خطوة بارزة من لدن المجتمع الدولي نحو الاهتمام أكثر بهذه الظاهرة والتي دعا من خلالها الحكومات والمنظمات والهيئات الدولية إلى تكثيف الجهود لزيادة الوعي بهذه المشكلة وضرورة تعميق الفهم لمعرفة أسباب هذه الظاهرة ومظاهرها في شتى أنحاء العالم وإلزامها بالتدخل الفوري من أجل اتخاذ التدابير اللازمة للحد من انتشارها.

وبالفعل فقد واكب هذا التحرك الدولي تحركات على صعيد الحكومات الوطنية حيث بادرت العديد من الدول إلى تكثيف جهودها من أجل مواجهة هذه الظاهرة ،والتصدي لها، وقد مكنت الدراسات والأبحاث التي قامت بها مؤخرا من الكشف على أن العنف ضد النساء هي ظاهرة عالمية تشمل ملايين النساء في أرجاء العالم مما يشكل تهديدا لحياتهن ويسبب لهن معاناة كبيرة ويخلف مضاعفات اقتصادية واجتماعية هامة. فقد أشار تقرير صادر عن منظمة الأمم المتحدة للسكان أن 48 بحثا ميدانيا في العالم أضهر أنه ما بين 10 و% 69 من النساء تتعرض للعنف الجسدي من طرف أزواجهن وأن امرأة من كل أربعة نساء في العالم هي عرضة للعنف في مرحلة من مراحل حياتها، وهذا يعني أن هذه الظاهرة لا تعرف حدودا جغرافية أو حضارية أو اجتماعية أو دينية.
     وإذا كان العنف ضد المرأة، خاصة الزوجي، يتخذ طابعا كونيا ويتمظهر بأشكال مختلفة في كل مجتمعات العالم فإن حدته تختلف من مجتمع لآخر كما تتفاوت أشكال مقاومته ومواجهته.

ويعد المغرب من الدول التي وعت مبكرا بخطورة العنف الممارس ضد المرأة خاصة بعدما أثبت الدراسات ارتفاع حجم هذه الظاهرة بالمجتمع المغربي واستشراءهما في كل الأوساط والشرائح الاجتماعية، وهو ما دفعه نحو التفكير بعمق بضرورة البدء في تطويق هذا العنف والتصدي له بالنظر لما يرتبه من آثار سلبية على مكونات الأسرة والمجتمع.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

ويرجع هذا الاهتمام أساسا إلى الدور الكبير الذي لعبته مؤسسات المجتمع المدني والتي بدأت مبكرا بالتطرق لهذه المشكلة حيث أخـــذت علـــى عاتقهـــا فضـــح مختلف الانتهاكات التي تتعرض لها المرأة المغربية والتي ظل يلفها الصمت لفترة طويلة.

وبفضل جهودها المضنية فقد تمكنت من كسر حاجز الصمت لتكشف عن واقع مأساوي تتعدد فيه مشاهد العنف الممارس على المرأة بالمجتمع المغربي، خصوصا .

    بعد إنشائها لمراكز الاستماع والإرشاد والتي ساهمت إلى حد كبير في فضح مثل هذه السلوكات.
وهكذا تم تنظيم أول حملة وطنية لمحاربة العنف ضد النساء سنة 1998 التي استهدفت في مرحلتها الأولى كسر حاجز الصمت الذي كان يحيط بهذه الظاهرة حيث عقدت العديد من الملتقيات الوطنية والحملات التحسيسية كما تم إنجاز الأبحاث والدراسات اللازمة والتي ساهمت بشكل كبير في تحسين الوعي بضرورة محاربة هذه الظاهرة الاجتماعية.
وتدعيما لهذه الجهود فقد بادر المغرب سنة 2001 بوضع استراتيجية وطنية لمحاربة العنف ضد النساء والتي اعتبرت خطوه نوعية في مجال مكافحة هذه الظاهرة، حيث حملت في طياتها العديد من التدابير والإجراءات المهمة على الصعيدين القانوني والمؤسساتي وذلك باعتماد منهجية دقيقة ومحددة تمكن من مواجهة العنف الممارس ضد المرأة بمختلف أشكاله ومظاهره بشكل تدريجي ومستديم.

وقد شارك في بلورة هذه الاستراتيجية مختلف القطاعات الحكومية المعنية والجمعيات النسائية الحقوقية ومراكز الاستماع والإرشاد القانوني للنساء ضحايا العنف ثم على ضوئها رصد أبعاد هذه الظاهرة وتجلياتها.

    
    لكن رغم أهمية هذه الاستراتيجية، فقد عرف إنجازها مجموعة من العراقيل بالموازاة مع ذلك ظلت وثيرة العنف في تزايد مستمر خصوصا بعد الانتشار الكبير لمراكز الاستماع في كافة المدن المغربية مما شجع العديد من النساء عن الخروج عن صمتهن والإفصاح عن معاناتهن اليومية جراء تعدد أشكال وصنوف العنف الممارس عليها.
وقد كشفت التقارير والدراسات الصادرة عن هذه المراكز على أن العنف الأسري وخاصة المرتكب من طرف الزوج هو ابرز مظاهر العنف وأكثرها شيوعا بالمجتمع المغربي حيث أضحت الزوجة عرضة لأشبع أنواع الاعتداء والعنف النفسي .
   
    والجسدي والجنسي، فقد جاء في تقرير صادر عن الرابطة الديمقراطية لحقوق المرأة ومركز الرصد والنساء المغربيات أن ما يزيد عن %61 من حالات العنف ضد النساء ترتكب من طرف الزوج ،كما أكد التقرير الصادر عن وحدة استقبال النساء ضحايا العنف بمستشفى ابن سينا، بالرباط أن من بين 1346 حالة استقبلها المركز في الفترة الممتدة ما بين 2002 وأكتوبر 2004 تشكل النساء ضحايا العنف الزوجي نسبة %44.
 

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

   
وكما سبق الذكر فإن العنف الزوجي يعد من أخطر أشكال العنف الموجه ضد المرأة لما يرتبه من عواقب وخيمة على المرأة والأسرة تحديدا باعتبارها أساس الاستقرار والتكيف في الحياة الاجتماعية للفرد، لذلك فإن استشراء مثل هذه الظاهرة بالمجتمع المغربي إنما ينذر بخطر كبير يتهدد المجتمع خصوصا وأن أرقامه في تزايد ملحوظ. فعلى مدى السنوات الممتدة من 2001 إلى 2004 لوحظ أن الجرائم المرتكبة ضد النساء والصادرة عن أزوجاهن في إطراد مستمر حيث شكلت حوالي % 21 سنة 2001، و%36 سنة 2002، % 34 سنة 2003، و38% سنة 2004. من الجرائم المرتكبة ضد النساء ولعل هذا الارتفاع راجع على الأرجح إلى رفع الصمت عن هذا العنف الذي كان مسكوتا عنه فيما قبل عبر الحملات التحسيسية التي قادتها خلال السنوات الأخيرة بعض القطاعات الحكومية والجمعيات بتعاون مع منظمات دولية.

  إذن أمام تزايد حجم هذا العنف وتفاقم خطورته أضحت الحاجة ملحة إلى تسليط الضوء بشكل أكبر على هذه الظاهرة وتناولها بالدراسة والتحليل واستكشاف مستوى ومظاهر انتشارها بالمجتمع المغربي، إضافة إلى الوقوف على تجلياتها ومختلف العوامل المسببة لها، وهو ما ارتأينا القيام به من خلال دراستنا هذه وذلك لعدة اعتبارات:

         أن ظاهرة العنف الزوجي تعد من الظواهر المعقدة والمتشابكة حيث يتداخل في تركيبها مجموعة من المتغيرات والعوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية والتي بقدر ما تشعبت بقدر ما تفاقم هذا السلوك العنيف.
         العواقب الوخيمة التي تخلفها هذه الظاهرة على مكونات الأسرة والمجتمع وما ترتبه من انعكاسات سلبية على سلامة النساء الجسدية والنفسية وهو ما يسهم إلى حد كبير في إضعاف قدرة المرأة على المشاركة في جهود التنمية.
تحرك المشرع المغربي بشكل جدي نحو التصدي لهذه الظاهرة الاجتماعية مؤخرا وذلك تحت ضغط مؤسسات المجتمع المدني والتي طالبت بتفعيل الاستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف ضد النساء في كل جوانبها التشريعية والمؤسساتية خصوصا وأن المغرب يعد من الدول التي انخرطت إيجابيا في الدينامية الدولية التي استهدفت كسر حاجز الصمت عن هذا العنف وكذا من خلال مصادقته على الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة ومن أهمها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة سنة 1993.
         هكذا فقد أقر المغرب عدة إصلاحات على مستوى الترسانة القانونية والتي جاءت تتطابق مع روح الاتفاقيات والمواثيق الدولية وتجسد وعي المشرع المغربي بخطورة هذا العنف، لذلك جاءت هذه الإصلاحات تدعيما للمركز القانوني للمرأة وتكريسا لعدم تمييزها على الرجل وتأمينا لاستقرار الأسرة وحمايتها من كل ما قد يشوب استمرارها.
وقد كان في طليعة هذه الإصلاحات، المراجعة التي عرفتها مدونة الأحوال الشخصية والتي توجت بصدور مدونة الأسرة حيث أقرت عدة مبادئ تهدف أساسا إلى ترسيخ المساواة بين الجنسين وتحقيق الإنصاف في العلاقات الزوجية بما يضمن استقرار الخلية الأسرية بعيدا عن كل أشكال العنف والصراع. كما تم مراجعة مجموعة من القوانين المغربية نذكر منها قانون الحالة المدنية وقانون المسطرة المدنية وقانون المسطرة الجناية وذلك بهدف تعزيز حماية المرأة وتكريس مبدأ مساواتها بالرجل إضافة إلى التعديلات المهمة التي عرفها القانون الجنائي والذي جاء بمقتضيات جنائية جديدة تهدف القضاء على هذه الظاهرة تجلت أساسا في تجريم العنف الزوجي.
           ولما كان القضاء هو المؤسسة القانونية المؤهلة لتأويل النصوص وحسن تطبيقها كان لا بد من إعداده وتأهيله لمواكبة هذه التعديلات القانونية ويكون في مستوى الرسالة المنوطة به في الشأن الأسري لذلك فقد تم تعزيز التخصص في هذا المجال من خلال إحداث أقسام القضاء الأسري إضافة إلى التدابير المهمة التي اتخذت على مستوى باقي المؤسسات القضائية في مجال العنف الأسري.
وبالموازاة مع هذه الإصلاحات القانونية فقد عرفت الإستراتيجية الوطنية تقدما ملحوظا فيما يخص تفعيل بعض مقتضياتها حيث اتخذت مجموعة من التدابير المهمة على الصعيد المؤسساتي بإشراك كافة القطاعات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الدولية لمواجهة هذا العنف من جهة والتكفل بالنساء ضحايا العنف من جهة ثانية حيث تم تعبئة كل الموارد المالية والمادية والبشرية من أجل تطويق هذه الظاهرة والتصدي لها.
وقد شكلت الحملة الوطنية الثانية لمحاربة العنف ضد النساء التي انعقدت سنة 2004 مناسبة لرصد ما تم تحقيقه من منجزات في مجال محاربة هذا العنف والدعوة إلى تكثيف الجهود من أجل التصدي له، وقد كان أهم ما تمخض عنها هو الإعلان عن المخطط التنفيذي للإستراتيجية الوطنية لمحاربة العنف ضد النساء والذي دخل حيز التنفيذ بنونبر 2005، ومن المفترض أن يعطي دفعة قوية نحو تفعيل الإستراتيجية بالشكل الذي يتلاءم وخطورة هذا العنف.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

 بناء على ما سبق ذكره أمكننا القول على أن معالجتنا لهذا الموضوع، إن كانت تستهدف التطرق لإبعاد هذه الظاهرة وتجلياتها والوقوف على مختلف الآليات التي وضعت من أجل مواجهتها والتصدي لها فإننا سنحاول بالموازاة مع ذلك رصد أهم النتائج المحققة من خلال معرفة ما إذا استطاع المشرع المغربي بالفعل تطويق هذه الظاهرة الاجتماعية. لكن بما أن مختلف هذه التدخلات والتدابير حديثة إذ لم يمر على إقرارها سوى اقل من السنتين أو ثلاثا على أبعد تقدير فإنه يصعب مع ذلك تقييمها، لكن نظرا لما يمثله هذا الموضوع من أهمية بالغة فإن الأمر لا يخلو من البحث والدراسة لمعرفة ما تم تحقيقه في هذا المجال وما تم الوقوف عليه من ثغرات ونواقص وهو ما سنحاول الكشف عنه في دراستنا هذه من خلال الإجابة على الإشكالية التالية:
إلى أي حد استطاع المشرع المغربي توفير الحماية للمرأة من العنف الزوجي؟ وهل الجهود المبذولة كفيلة بالتصدي لهذه الظاهرة الاجتماعية.
وتتفرع عن هذه الإشكالية مجموعة متعددة من الإشكاليات التي ستساهم في إغناء هذا الموضوع وإعطائه ما يستحق من الدراسة والتحليل من خلال مناقشتها والإجابة عليها وتتعلق بالتساؤلات التالية:
         ما هو مستوى انتشار ظاهرة العنف الزوجي بالمجتمع المغربي؟
         ما هي أهم مظاهر العنف الزوجي ؟ وما هي الأسباب والدوافع التي تكمن وراءه؟
         هل الإحصائيات الخاصة بظاهرة العنف الزوجي تعطي صورة كمية ونوعية عن حقيقة هذه الظاهرة؟
         ماذا عن دور القضاء المغربي في حماية المرأة المعنفة أسريا، خصوصا بعد الإصلاحات التشريعية التي عرفتها المنظومة القانونية المغربية؟
         أين يكمن دور الدولة والمجتمع المدني في التكفل بالنساء ضحايا العنف الزوجي؟
         ما هي سبل الوقاية من العنف الزوجي؟

لقد حاولنا من خلال هذه الدراسة مناقشة مختلف الإشكاليات وتحليلها للخروج بنتائج علمية ومقنعة وقد تم تزكيتها بمجموعة من المقترحات والتي نأمل أن تساهم ولو بقدر يسير في تعزيز حماية المرأة من العنف الزوجي.
وعليه، فإن دراسة الموضوع ستكون من خلال التقسيم التالي:
القسم الأول: العنف الزوجي ضد المرأة بين الحماية القانونية وإكراهات الواقع.
القسم الثاني: آليات محاربة العنف الزوجي: الحصيلة والآفاق.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي بحقوق الطبع والنشر !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock