مسطرة الشقاق في ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي


بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص تحت عنوان “ مسطرة الشقاق في ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي “

مقدمـــة

عرفت المنظومة القانونية المغربية في السنوات الأخيرة العديد من الإصلاحات والتعديلات التي أدخلت على نصوصها، فرضتها التحولات الهيكلية العميقة التي عرفها المجتمع المغربي في جميع مناحي الحياة السياسية والحقوقية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كما اقتضتها مسألة ملاءمة القوانين الوطنية مع المواثيق والاتفاقيات الدولية المرتبطة أساسا بحقوق الإنسان عامة وحقوق المرأة والطفل خاصة، والتي وقع و صادق عليها المغرب والتزم دستوريا باحترامها.
وفي سياق هذه الاعتبارات الوطنية والدولية صدر قانون 03-70بمثابة مدونة الأسرة،  وذلك بعد مخاض عسير بدأ أساسا بإعلان خطة إدمـاج المرأة في التنمية وما خلفه من ردود فعل متباينـة تراوحت بين التأييد والرفض، وانتهى بتعيين جلالة الملك  للجنة استشارية كلفت بإجراء مراجعة جوهرية لمقتضيات مدونة الأحوال الشخصية، في إطار الالتزام بأحكام ومقاصد الإسلام السمحة وإعمال الاجتهاد في استنباط الأحكام، مع الاستهداء بما تقتضيه روح العصر والتطور واحترام حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا، وهذا ما جعل من مدونة الأسرة حسب العديـد من الباحثيـن والمهتمين القانونيين والحقوقيين وطنيا ودوليا، حدثا قانونيا وحقوقيا تاريخيا ببلادنا، نظرا للإصلاحات الهامة التي تضمنتها مقتضياتها، والتي تجسد في عمقها التكامل بين المرجعية الإسلامية والكونية القائمتين على مبادئ الحرية والمساواة والإنصاف والتضامن… إلخ.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});


فنظرا لكون الأسرة تشكل مؤسسة اجتماعية متجذرة في عمق التاريخ، وحقيقة واقعية لا يدرك الإنسان أهميتها إلا إذا فقدها لأي سبب من الأسباب، وباعتبارها النواة الأساسية للبناء المجتمعي والديمقراطي والتربية على المواطنة الصالحة، حيث تضطلع في هذا الإطار بدور هام في عمليتي التربية والتنمية، فقد حرص المشرع من خلال هذه المدونة على تنظيم الروابط الأسرية وفق ما يقتضيه حمايتها وضمان استمراريتها في أداء وظيفتها داخل المجتمع، انطلاقا من ضبط وتنظيم حقوق وواجبات جميع أفرادها كما يدل على ذلك الشعار الذي صدرت في ظله والمتمثل في: ” إنصاف المرأة وحماية حقوق الطفل وصيانة كرامة الرجل” حيث ورد في الخطاب الملكي بمناسبة استقبال جلالة الملك لرئيسي مجلسي البرلمان وتسليمهما لجلالته القانون بمثابة مدونة الأسرة بعد مصادقة البرلمان عليه ما يلي: ” … وإذا كان منذ اعتلائنا العرش قد جعلنا في صدارة سياستنا إيجاد مدونة حديثة للأسرة، بهذه المواصفات والمرجعيات وفي خضم تيارات مختلفة، فإننا بقدر ما نحمد الله تعالى على توثيقنا في إنجازها بما تتضمنه من إنصاف للمرأة، وحماية لحقوق الأطفال وصيانة لكرامة الرجل، نجدد التأكيد على أنها مكسب للمغاربة جميعا، منوهين بإجماع كل ممثل الأمة ومكوناتها عليها، وضمن نقاش ديمقراطي مسؤول والتحام  وثيق بين العرش والشعب …”.
ولعل من المستجدات الهامة التي جاءت بها مدونة الأسرة والتي جعلت منها قانونا متميزا، تنظيمها للقواعد الشكل إلى جانب قواعد الموضوع، خاصة في المسائل المرتبطة بالزواج وانحلالـه،  حيث أصبحت خاضعة لإشراف ورقابة القضاء في إطار ما يمكن أن يصطلح عليه بالبعد القضائي لمدونة الأسرة (  La judiciarisation du code de la famille )  كما يتجلى ذلك بوضوح في أحكام التطليق، حيث عمد المشرع من خلال المدونة إلى التوسيع من أسبابه بإضافة سبب جديد لم يكن موجودا في مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، ويتعلق الأمر بالشقاق كما تنص على ذلك المواد من 94 إلى 97 المعنونة  “بالتطليق بطلب من أحد الزوجين بسبب الشقاق”، ذلك أنه في حالة وجود نزاع بين الزوجين يخشى منه الشقاق يمكن لهما أو لأحدهما اللجوء إلى القضاء لطلب حله، وفق المسطرة المنصوص عليها في المواد المشار إليها والتي يطلق عليها طبقا للمدونة بمسطرة الشقاق، حيث ارتأينا اختيار دراستها في ضوئها والعمل القضائي كموضوع لرسالة التخرج قصد نيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون الخاص وحدة الأسرة والطفولة.

أهمية الموضوع و دوافع اختياره

تعتبر مسطرة الشقاق المنصوص عليها في المدونة مسطرة خاصة ذات بعد وقائي وعلاجي الهدف منها تسوية وتصفية النزاعات الزوجية، حيث خول المشرع من خلالها للزوجين أو أحدهما إمكانية أخذ مبادرة اللجوء إلى القضاء، لطلب حل كل نزاع قائم بينهما يخاف أن يتطور ويصبح شقاقا يتعذر معه إيجاد حل لـه غير الحكم بينهما بالتفريق عن طريق التطليق، بناء على الأسباب المبررة لذلك، كما خول للمحكمة بمقتضى النص القانوني سلطة الإثـارة التلقائية لتطبيق مسطرة الشقـاق، كحل للخلاف القائم بين الزوجين حول مسألة التعدد.
لذلك فإن التنصيص والإحالة عليها يعتبر من المكاسب الهامة التي جاءت بها مدونة الأسرة، حيث حافظ المشرع من خلالها على الثوابت المؤسسة للمرجعية الإسلامية ، كما جعل من تماسك الأسرة المغربية و استقرارها الهدف الأسمى من سنها إضافة إلى إسناد تطبيقها لقضاء الأسرة الذي يعتبر جهازا قضائيا جديدا في التنظيم القضائي المغربي، جاء في إطار تكريس التوجه نحو القضاء المتخصص قصد تفعيل مدونة الأسرة، فمما جاء في الرسالة الملكية الموجهة إلى وزير العدل حول توفير الشروط الكفيلة لحسن تطبيق مدونة الأسرة: ” وتجسيدا لحرصنا السامي في هذا الشأن، فقد أكدنا منذ إحداثنا للجنة الاستشارية المكلفة باقتراح إصلاح جوهري لمدونة الأحوال الشخصية على دعم هذا المشروع، فإن تفعيله يظل رهينا بإيجاد قضاء أسري عادل وعصري وفعال، لا سيما وقد تأكد لنا من خلال تطبيق المدونة الحالية أن جوانب القصور والخلل لا ترجع فقط إلى بعض بنودها، ولكن بالأحرى إلى انعدام قضاء أسري مؤهل ماديا وبشريا ومسطريا لتوفير كل شروط العدل والإنصاف مع السرعة في البت في القضايا التي هي من اختصاصه والتعجيل في تنفيذها”.
   فعندما يلجأ الزوجين أو أحدهما إلى المحكمة لحل نزاع بينهما يخاف منه الشقاق يتعين على المحكمة المختصة و كما يستفاد ذلك من النصوص القانونية المنظمة لهذه المسطرة ، السعي أقصى ما يمكن لإنقاذ العلاقة الزوجية من الانحلال ، من خلال القيام بكل الإجراءات الضرورية لاستقصاء أسباب النزاع و محاولة بصلاح ذات البين بين الزوجين المتخاصمين ، بما في ذلك الاستماع إلى الشهود ، و انتداب الحكمين ، و تعيين مجلس العائلة، وغير ذلك مما تـرى فيه فائـدة في هذا الشـأن ، انسجاما مع المنهج الإسلامـي المتكامـل بخصوص تسويـة النزاعـات الزوجيـة الذي يؤكد سمو التشريع الإسلامي في معالجة النشوز والشقاق بين الزوجين ، مصداقا لقولـه تعالى : ) و إن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما م أهله و حكما من أهلها ، إن يريدا إصلاحـا يوفـق لله بينهما ، إن الله كان عليما خبيـر ( ([1]) و قوله عز وجل :) فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا و الصلح خيـر ( ([2])  و قوله سبحانه ) فاتقوا الله  وأصلحوا ذات بينكم ( ([3]).

إقرأ أيضا :  رسمياً إطلاق فضاء الترشيح على بوابة التشغيل العمومي للتسجيل في المباريات إلكترونيا تسجل وانتظر الوظيفة .

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});


فالتطليق طبقا لمدونة الأسرة أصبح حلا استثنائيا للخلافات الزوجية ، حي لايجوز للقضاء اللجوء إليه إلا بعد استنفاذ كل الإجراءات المشار إليها ، و ذلك في حدود الأخذ بقاعدة أخف الضررين، لما في ذلك من تفكيك للأسرة و الإضرار بالأطفال ( المادة 70 ).
 من هـذا المنطلـق فـإن موضوع “مسطرة الشقاق في ضوء مدونة الأسرة    والعمل القضائي” يكتسي أهمية بالغة من الناحيتين النظرية والعملية ، فأهميته النظرية تكمن في الحمولة القانونية للمقتضيات المنظمة لهذه المسطرة ، و بذلك فهي تحتاج إلى دراستها  وتحليلها قصد استجلاء الغموض عنها من خلال إبراز إيجابياتها و سلبياتها ، خاصة وأنها تعتبر من المستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة، أما أهميتها العملية فترجع إلى كون المشرع أسند تطبيقها لقضاء الأسرة، مما يبرر الحاجة إلى مقاربة كيفية تعامله معها على مستوى الممارسة القضائية، مع الإشارة إلى  أن من الصعوبات التي واجهتنا ونحن بصدد إنجاز هذا البحث، انعدام معطيات  إحصائيات رسمية حول نسبة التطليق للشقاق منذ صدور المدونة، من شأنها أن تسعفنا أكثر في ضبط التوجه القضائي المعمول به في كل أقسام قضاء الاسرة بالمملكة بخصوص هذا النوع من القضايا، سيما وأن الأحكام الصادرة فيها لم تعد تقبل الطعن في شقها القاضي بإنهاء العلاقة الزوجية (المادة 128 من مدونة الأسرة.)
الإشكاليـــة التي يثيرهـــا الموضوع
    باستقرائنا للمقتضيات المنظمة لمسطرة الشقاق ( المواد 94-97 ) و تلك التي تحيل عليها ( المواد 45-100-120-124 ) يتضح جليا أن الإشكالية الأساسية التي تثيرها تتمثل في مدى استطاعة قضاء الأسرة أثناء تفعيله لها التوفيق بين هاجس الحفاظ على استقرار الأسرة والاستجابة لحق طلب التطليق، بما يقتضيه ذلك من حماية حقوق جميع أفرادها، بحيث تتفرع عن هذه الإشكالية جملة من التساؤلات يمكن إجمالها فيما يلي:
– ما المقصود بالشقاق الذي يعطي للزوجين حق طلب التطليق ؟
– ما هي الحالات التي يحق فيها اللجوء إلى إثارة تطبيق مسطرة الشقاق ؟
– كيف يتعامل قضاء الأسرة مع طلبات تطبيق مسطرة الشقاق ؟
– إلى أي حد يمكن لقضاء الأسرة ضمان احترام الحقوق موضوع الحماية عند تفعيله لمسطرة الشقاق ؟

خطـــــة البحـــــث

     نظرا لكون مسطرة الشقاق في المجال الأسري ترمي إلى معالجة الصعوبات التي تواجهها الحياة الزوجية، عن طريق تسويتها وديا قبل اللجوء إلى تصفيتها قضائيا، وذلك على غرار مسطرة معالجة صعوبات المقاولة في المجال الاقتصادي، فقد ارتأينا من اجل مقاربتها في ضوء مدونة الأسرة والعمل القضائي اعتماد اختيار منهجي على مستوى التحليل من خلال تقسيم الموضوع إلى قسمين، حيث تعرضنا في القسم الأول إلى تسوية  النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق، أبرزنا فيه الضوابط والإجراءات القانونية الواجب مراعاتها من طرف القضاء في هذا الإطار، أما القسم الثاني فقد خصصناه للحديث عن الآثار المترتبة عن تصفية تلك النزاعات في مواجهة الحقوق الأسرية ، والمتمثلة في حقوق الزوجة المطلقة والأطفال إن وجدوا  من جهة، وحق الزوج في التعويض عن التطليق للشقاق من جهة أخرى.
وبذلك يكون تصميم هذا البحث كالآتي :
القسم الأول : تسوية النزاعات الزوجية في دعاوي الشقاق
القسم الثاني: آثار التطليق للشقاق على حقوق أفراد الأسرة
                                                       و الله الموفق

[1] سورة النساء الآية : 35.
[2] سورة النساء الآية : 127.
[3] سورة الأنفال الآية : 1.



يمكنك تحميل الرسالة كاملة بصيغة word أسفله 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي بحقوق الطبع والنشر !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock