أدخل بريدك الإلكتروني لتتوصل بكل جديد على الموقع بما فيها كتب وجوائز مجانية

الإجهاض في التشريع الجنائي المغربي.

الإجهاض في التشريع الجنائي المغربي

الإجهاض في التشريع الجنائي المغربي.

الإجهاض في التشريع الجنائي المغربي.

لإجهاض في التشريع الجنائي المغربي – عرض مشترك من إعداد هشام السفاف – أسامة إدبوحماد  الحسين شكور – يعقوب الكوري   ماستر: أحكام الأسرة في الفقه والقانون كلية الشريعة – آكادير

مقدمة:



قال تعالى :{ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل، إنه كان منٍصورا } [  الإسراء : 33  ].
الواقع أن موضوع الإجهاض يعد من أحد الموضوعات الحيوية والهامة التي تمس كيان المجتمع بأسره ، ولذا فقد تناولته أقلام الأطباء والمفكرين ورجال الدين من خلال تعرضهم لموضوع تحديد النسل ، فنظر كل منهم إلى الإجهاض من ناحية تخصصه .


فبحثه الأطباء على هدى فرص النجاح في تنفيذه إذا ما اضطروا إلى إجرائه لإنقاذ حياة الأم ، وأخذوا برأي من يقول بتحديد النسل بطريقة الإجهاض ، وهم يرون أن عملية الإجهاض تعرض الأنثى لخطر إزهاق الروح حتى ولو كان من يقوم بها على علم كاف بالتشريح الخاص بالأعضاء التناسلية وقد توفرت لديه كل المعدات اللازمة ، لأن تحمل الأنثى لهذه العملية يتوقف على مالها من قدرة صحية وجسمانية ، الأمر الذي يوجب الاحتياط لحياتها ، وعدم إتلاف أعضائها التناسلية ، وذلك بعدم مباشرة الإجهاض إلا في حالة الضرورة القصوى[1] .


كما عنى المفكرون بموضوع الإجهاض من حيث كونه دراسة لظاهرة اجتماعية تستحق البحث ، إذ فيما ينتهي إليه الرأي أكبر الأثر في تكوين الجماعة ، وهم يرون – تحت تأثير النزعة الأنجلو أمريكية التي تنادي بتنظيم النسل – أنه من الممكن من خلال القول بإباحة الإجهاض وإلغاء العقبات المؤدية إليه المساهمة في حل مشكلة زيادة السكان حتى تكون هناك معادلة سليمة بين سكان الأرض وما تنتجه من خيرات بما يكفل للناس أن يكونوا في مأمن من المجاعات التي قد تضر بهم وتسيء إليهم في حياتهم الصحية والاجتماعية ، لما هذا فضلا عن وجوب احترام حرية المرأة ورغبتها ، وأنه مما يتنافى مع تلك الحرية ويهدرها أن نجبر المرأة على حمل جنين لا ترغب في حمله .
أما رجال الدين فقد وضعوا الإجهاض تحت مقياس التحريم والتحليل ، ودرسوا مختلف الفرضيات التي تعرض بشأنه [2] .


ولما كان لا يوجد تشريع يقر عدم العقاب على الإجهاض مطلقا ، فقد حق لرجال الفقه الجنائي بدورهم أن يجعلوه موضعا لبحثهم ، إذ فيما ينتهي إليه الرأي – من حيث إباحته آو تحريمه – اكبر الأثر فيما قد يحدث من تغييرات في نظرة المشرع الجنائي للإجهاض بمختلف البلاد .


ولكل ما تقدم ، وإزاء انتشار الإجهاض عمد المشرع في بعض الدول إلى التخفيف من الغلو في التجريم، والاتجاه نحو الإباحة التدريجية ، فظهرت بعض القوانين التي تنص على إباحة الإجهاض لإنقاذ حياة الأم أو صحتها البدنية أو النفسية من خطر جسيم يهددها في حالة استمرار الحمل ، كما ظهرت قوانين تسمح بالإجهاض للتخلص من جنين مشوه أو مصاب بمرض وراثي خطير ، وقوانين أخرى تسمح به للتخلص من حمل سفاح ، بل وذهبت قوانين أخرى كما قلنا سابقا تحت تاثير النزعة الأنجلو أمريكية التي تنادي بتنظيم النسل إلى إباحة الإجهاض لمجرد طلب المرأة ذلك .



أهمية البحث:


تكمن في موضوع الإجهاض في كونه له أهمية في نطاق القانون الجنائي كما سبقت الإشارة إليه على أساس انه لا يوجد تشريع يقر عدم العقاب على الإجهاض مطلقا ، ومن ثم كان من حق رجال الفقه الجنائي أن يجعلوه موضعا لبحثهم ، إلا أن هذه الأهمية لا تبرز في نطاق القانون الجنائي فحسب ، ولكن أيضا في نطاق القوانين المنظمة لمهنتي الطب والتوليد ، والشريعة الإسلامية ، ويشهد على ذلك انعقاد العديد من المؤتمرات الدولية والإقليمية من أجل الوقوف على مدى جواز الإجهاض أو تجريمه من النواحي القانونية والطبية والشرعية [3] .


كما تبدو أهمية هذا البحث في أن ما يقوم به الأطباء من عمليات الإجهاض يحتاجون فيه لمعرفة الحالات التي يسمح فيها القانون لهم بإجراء هذه العملية دون أن يخضعوا لطائلة العقوبات القانونية ، لاسيما وأن المشرع قد جرم الأفعال التي يترتب عليها إسقاط الحوامل بصفة عامة ، وشدد العقاب إذا كان محدث هذا الفعل طبيبا أو من في حكمه .


كما تبرز أهمية هذا البحث في الموضوع في معرفة الدراسة المقارنة بين التشريعات الأجنبية بهدف الوقوف على الحالات التي يمكن للمشرع المغربي أن يجيز فيها الإجهاض والحالات التي لا يمكن له فيها السماح بإجرائه.


إشكالية الموضوع والخطة المتبعة لدراسته:


نظرا لأهمية الموضوع وتشعب أفكاره وارتباط بعضها ببعض، فإن محاولة دراسته تطرح إشكالية رئيسية يمكن بلورتها على الشكل الآتي:
ما هي أوجه الحماية الجنائية التي تقرها المنظومة القانونية ضد الاعتداء على الأجنة ؟
وللإجابة عن إشكالية من هذا الحجم يستلزم طرح بعض التساؤلات الفرعية أذكرها كما يلي:
– كيف يتم الاعتداء على الجنين ؟
– وما هي أسباب الظاهرة؟
– وما موقف الفقه الإسلامي والتشريع المقارن، للإضافة إلى التشريع الجنائي الوطني من الإجهاض ؟
– وإلى أي حد استطاعت النصوص القانونية أن تضمن حماية فعلية للأجنة من هذه الظاهرة؟
– ما مدى تأثير الرضا الصادر عن المرأة في التجريم والمساءلة إذا ما حدث الإجهاض ?‏
– ما هو موقف المشرع المغربي من بيع أو ترويج وسائل تساعد على الإجهاض، أو التحريض عليه ?


إن هذه التساؤلات الفرعية تفضي بنا إلى استجلاء المحاور الأساسية للموضوع والتي سنتوسع من خلالها في بسط الموضوع وتعميق التحليل والنقاش  وهي كالتالي:
المبحث الأول: الجنين بين الاعتداء والحماية الجنائية.
          تمهيد:
         المطلب الأول: الإجهاض وأهم أسبابه.
                         الفقرة الأولى: ماهية الإجهاض.   
                    الفقرة الثانية: أسباب ظاهرة الإجهاض.
          المطلب الثاني: الحماية الجنائية للجنين في الفقه والقانون.
                    الفقرة الأولى: الحماية الجنائية للجنين الفقه الإسلامي.
                    الفقرة الثالية: تطور الحماية الجنائية للجنين في القانون الوضعي (الفرنسي نموذجا).
المبحث الثاني: جريمة الإجهاض في التشريع المغربي مقارنا بالقانون الموريتاني.
           تمهيد:
          المطلب الأول: عناصر جريمة الإجهاض.
                    الفقرة الأولى: النشاط المادي
                    الفقرة الثانية: انتفاء الخطر عن صحة الأم أو حياتها
                    الفقرة الثالثة: القصد الجنائي
          المطلب الثاني: الظروف المشددة في جريمة الإجهاض.
                    الفقرة الأولى: موت المجني عليها [الحامل]
                    الفقرة الثانية: اعتياد الجاني على الإجهاض .
                    الفقرة الثالثة:  المساعدة والتحريض على الإجهاض.


خاتمة:



المبحث الأول: الجنين بين الاعتداء والحماية الجنائية.


تمهيد:
إن موضوع الإجهاض في المغرب يدخل في باب المحرمات التي تؤرق منظمات المجتمع المدني، ذلك أن العديد من الأوساط السياسية والدينية والإعلامية، قد أبدت قلقها البالغ من التزايد الملحوظ لظاهرة الإجهاض في المجتمع المغربي، وأثير نقاش حاد بين ممثلي بعض الأحزاب السياسية ووزيرة الصحة   في البرلمان حول هذا الموضوع، ففي حين تشدد أحزاب سياسية على ضرورة “تنظيف” بيت وزارة الصحة من “سماسرة” و”انتهازيين” حولوا إجهاض فتيات في السر إلى تجارة مربحة، تؤكد وزيرة  الصحة أن معاجلة هذه الظاهرة يتجاوز وزارتها ويتطلب إيجاد مقاربة شمولية في التعاطي معها في إطار إجماع وطني .


وتدعو وزيرة الصحة السابقة ياسمينة بادو إلى إشراك جميع الفرقاء من حكومة وعلماء دين وأطباء وسياسيين في إطار استراتيجية عمل شمولية للحد من تزايد هذه الظاهرة، وقالت في حديثها عن هذا الموضوع في البرلمان إن ” الإجهاض أصبح واقعا نعيشه كل يوم ، وهو في تزايد.. وملف الإجهاض، بتعقيداته ليس قضية تهم وزارة الصحة وحدها، بل قضية وطنية ، وقالت إن وزارتها تسعى إلى صياغة مشروع مجتمعي لا يتعارض مع مقوماتنا الإسلامية، وأحد الحقوق الأساسية للإنسان المتمثلة في الحق في الحياة، مع الأخذ بعين الاعتبار الظروف التي تستوجب الإجهاض كضرورة ، للمحافظة على صحة حياة الأم ” .


وتشير معطيات كشف عنها أحد الكوادر الطبية الدكتور الشرايبي إلى أن حوالي ألف حالة حمل يومية تطرح مشكلا اجتماعيا بالمغرب، منها 600 حالة تتعرض لإجهاض طبي، و250 لإجهاض غير طبي بوسائل تقليدية، و10 حالات تتابع الحمل مع التخلي عن الرضيع أو اللجوء إلى الانتحار. غير أن هذه المعطيات تعرضت لانتقادات شديدة من طرف وزارة الصحة وهيئات طبية اعتبرتها غير دقيقة ، لكن وزارة الصحة لم تقدم لحدود الساعة إحصائياتها بخصوص عمليات الإجهاض السرية التي تخضع لها  الفتيات ، وأبرزت وسائل الإعلام المحلية أن سماسرة و أطباء اغتنوا بفضل عمليات الإجهاض السرية التي يجرونها لفتيات وقعن في الخطيئة.


وأشارت بعضها إلى حدوث وفيات وتعرض بعض الفتيات إلى مضاعفات صحية خطيرة بسبب إجراء هذه العمليات بشكل سري في عيادات لا تتوفر بعضها على كامل الأجهزة الطبية المطلوبة .
وعلى الصعيد العالمي؛ فإنه:
–  تجهض سنويا ما يقرب من 46 مليون امرأة بين سن 15 إلى 44… وهو ما يمثل 22% من 210 ملايين حمل سنويا ، 26 مليون إجهاض رسمي و20 مليون غير رسمي  .
جاءت هذه الإحصائيات عن منظمة الصحة العالمية في تقريرها عام 1999، وقالت بأن قياس معدل الإجهاض في الدول التي تمنع ممارسته من أصعب الأمور، وتدخل عوامل كثيرة غير مباشرة في الإحصائيات لا تجعلها تبدو بالدقة المطلوبة .
– تمثل شرق أوروبا أعلى معدل إجهاض في العالم ، وهو ما يعادل 90 حالة في الألف امرأة .
ويمثل غرب أوروبا أقل المعدلات 11 حالة في الألف امرأة، وقارة أوروبا بصفة عامة هي أعلى قارة ، ونسبتها 48 حالة في الألف امرأة  .
–  في آسيا : تجهض ما يقرب من 2608 ملايين امرأة سنويا، الصين وحدها يجهض فيها 26 حالة في الألف امرأة، ويجهض في بنجلاديش ما يقرب من 730.000 امرأة .
–  في أفريقيا : يجهض فيها 33 حالة في الألف امرأة ، ومن الدول التي تسمح به في أفريقيا جنوب أفريقيا وتونس، وفي مصر على سبيل المثال تجهض 23 حالة في الألف امرأة حسب تقرير منظمة الصحة العالمية لعام  1996 .
–  في أمريكا : نسبة الإجهاض 39/1000، ويندر الإجهاض في المتزوجات، وتمثل النسبة 8/1000، أما الكارثة تتضح في غير المتزوجات حيث تصل نسبتهن إلى 75/ 1000 متزوجات .
ويقدر المحللون أن نصف النساء الأمريكيات (43%) يقمن بالإجهاض مرة في حياتهن على الأقل.
في أمريكا اللاتينية :  تقل النسبة بـ 33/1000 امرأة .


المطلب الأول: الإجهاض وأهم أسبابه .


قبل التطرق إلى أهم أسباب الإجهاض (الفقرة الثانية)؛ فإنه من حري بنا أن نبتدئ بتحديد ماهيته أولا (الفقرة الأولى) وذلك ببيان مفهومه في اللغة والفقه.


الفقرة الأولى: ماهية الإجهاض.


أولا : الإجهاض لغة.
جاء في لسان العرب: أجهضت الناقة إجهاضا ، وهي مجهض أي ألقت ولدها بغير تمام ، ويقال للولد مجهض إذا لم يستبين خلقه ، وقيل الجهيض السقط الذي تم خلقه ونفخ فيه الروح من غير أن يعيش [4] .
ويتبين لنا من هذا التعريف اللغوي أن الإجهاض يقوم على أساس إخراج الحمل من الرحم قبل الأوان وهو غير قابل للحياة ، ومن ثم لا يدخل في نطاق هذا التعريف إخراج الحمل من الرحم قبل الموعد الطبيعي لولادته وهو قابل للحياة .
ثانيا : الإجهاض فقها.
الملاحظ أن المشرع الجنائي لم يعن بوضع تعريف محدد لماهية الإجهاض اكتفاء منه بإيراد النصوص التي تبين مختلف جرائم الإجهاض مع تحديد أحكامها وعقوباتها ، ولهذا فقد ترك لرجال الفقه والقضاء مهمة وضع تعريف للإجهاض .
ونورد هنا بعض تعريفات العلماء للإجهاض :
أ – يعرفه الدكتور حسن صادق المرصفاوي بأنه : ” إخراج الحمل قبل الموعد الطبيعي لولادته عمدا وبلا ضرورة بأية وسيلة من الوسائل “[5].
ب – يرى الدكتور محمود نجيب حسني أن الإجهاض هو : ” إخراج الجنين عمدا من الرحم قبل الموعد الطبيعي لولادته أو قتله في الرحم ” .[6]
ج – يذهب الدكتور رؤوف عبيدالي إلى أن ” الإجهاض عبارة عن استعمال وسيلة صناعية تؤدي إلى طرد الجنين قبل موعد ولادته إذا تم بقصد إحداث هذه النتيجة “[7].
د – ترى الدكتورة فوزية عبد الستار أن المقصود بالإجهاض  هو ” إنهاء حالة الحمل قبل موعد الولادة الطبيعي ” [8] .


هـ – يعرف الفقه الفرنسي بأن الإجهاض ” إعمال وسيلة صناعية تؤدي إلى نتيجة معينة لا وجود لجريمة بدونها وهي طرد متحصل الحمل قبل أوان ولادته الطبيعي سواء خرج ميتا أو كان حيا ولكنه غير قابل للحياة [9] .
ز– يعرفه الفقه الانجليزي بأنه ” تدمير متعمد للجنين في الرحم أو ولادة سابقة لأوانها بقصد قتل الجنين” [10].
والراجح في الفقه أن المراد بالإجهاض هو إنهاء حالة الحمل عمدا وبلا ضرورة قبل الأوان ، سواء بإعدام الجنين داخل الرحم أو بإخراجه منه – ولو حيا – قبل الموعد الطبيعي المقدر لولادته [11] .
ويتبين لنا من هذا التعريف أن للإجهاض صورتان :
الأولى : وهي الغالبة والأكثر حدوثا في الواقع العملي ، وتفترض إخراج الجنين من الرحم بوسيلة غير تلقائية قبل الموعد الطبيعي لولادته ، وتتحقق هذه الصورة ولو خرج الجنين حيا وقابلا للحياة .
الثانية : وهي نادرة الحدوث في الواقع العملي، وتفترض قتل الجنين وإنهاء تطوره دون اشتراط انفصاله عن الرحم وخروجه منه ، وهذه الصورة لا يفترض تحققها إلا حين تنتهي حياة الجنين وتنتهي معه حياة الأم، أما إذا بقيت الأم على قيد الحياة فإن قتل الجنين في الرحم يستتبع بالضرورة خروجه منه؛ لأن بقاءه فيه يهدد حياة الأم أو صحتها بالخطر [12]  .
وغني عن البيان أن هذا التعريف يستبعد من نطاق الإجهاض حالة ما إذا خرج الجنين قبل أوانه الطبيعي بطريقة تلقائية، أي نتيجة التقلصات الطبيعية لعضلات الرحم حيا كان أو ميتا، وهو ما يعرف بالإسقاط الكاذب والتي لا تدخل في نطاق التجريم والعقاب .


الفقرة الثانية:أسباب الإجهاض.


إن العوامل التي أدت على انتشار الإجهاض في الزمن المعاصر مقارنة بما سبق في الأزمان الماضية إن اتحدت في غالبها في المضمون إلا أنها تختلف في الانتشار بين بلد وآخر.
      ومن أهم عوامل التي تؤدي إلى الإجهاض:
1-                     مساعدة المنحلات أخلاقياً والمومسات على ممارسة البغاء، وذلك في إطار: الحرية الشخصية. وتشير الأرقام إلى أن 85% من حالات الإجهاض التي وقعت في نيويورك ولندن كان نتيجة انتشار الزنا [13].
2-                     تنظيم الأسرة والحد من عدد أفرادها، وذلك اما رغبة محصورة من العائل، وإما توجه حكومي المقصود منه الحد من تنامي السكان, خوفا على اقتصاد البلد
إذ قد بدأت هذه الفكرة في أوروبا في أواخر القرن الثامن عشر الميلادي، وأول من دعا إليها القسيس الإنجليزي ” مالثوس ” الذي نشر مقالاً بعنوان ” تزايد السكان وأثره في تقدم المجتمع ” عام 1213هـ – 1798م، وزعم أن السكان يزيدون على هيئة متواليات هندسية 2، 4 ، 8، 16، 32 بينما لا تزيد الموارد إلا على هيئة متواليات حسابية 2، 3، 4، 5، 6 لذا فإن البشرية حسب تحليله ستواجه مجاعة مروعة إذا استمر لديها هذا الاتجاه في التكاثر ودعا إلى الحد من التناسل بطريق الرهبنة ، والامتناع عن الزواج، أو تأخير الزواج حتى لا يزداد السكان بشكل يؤثر على الدخل القومي [14].
3-                     الخوف على صحة الجنين أو الأم إذا استمرت حياة الجنين, خصوصا بعد التطور التقني والطبي الذي اصبح باستطاعته في كثير من الحالات الكشف عن الأمراض المتحققة والمحتملة وايجاد الحلول المناسبة لذلك، وكما هو من المعلوم أن الإجهاض أحد الحلول المطروحة لتلك الحالات التي يتأكد أن بقاء الجنين فيه خطر على حياة الأم، فيكثر السؤال حينئذ عن حكم الاجهاض , ومدى مشروعيته.
4-                     عدم رغبة الأم في الحمل في ذلك الوقت، إما انشغالاً بعمل وظيفي أو نوعاً من الترف.
5-                     إتقاء العار والفضيحة وتحت القهر النفسي ونبذ الأسرة والمجتمعي، خاصة في المجتمعات المحافظة – كالمجتمعات العربية الإسلامية -، حيث تقدم المرأة المغتصبة على محاولة التخلص منه بأية طريقة كالشعوذة والدجل، كما يتم الأخذ بالأعشاب والوصفات التي يصنعها العجائز والدجالون وهناك من يلجا إلى أطباء عديمي الضمير الذين يتخذون من الإجهاض سببا للكسب الغير الشريف على حساب نساء حوامل لا يملكن حتى التفكير في عواقب ما يقدمن عليه.



المطلب الثاني: الحماية الجنائية للجنين في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي.
وسنتناول فيه أولا موقف الفقه الإسلامي (الفقرة الأولى)، ثم المشرع الفرنسي كنومذج اللقانون الوضعي (الفقرة الثانية).


الفقرة الأولى: الحماية الجنائية للجنين في الفقه الإسلامي.


يفرق الفقه الإسلامي بين مرحلة نفخ الروح وما قبلها، فنجد أن:   
– العلماء اتفقوا على تحريم إسقاط الجنين بعد نفخ الروح إذا لم يكن هناك ضرورة لإسقاطه، لأن في إجهاضه قتلا للنفس المحرمة بغير حق وقد نقل الإجماع على حرمة الإجهاض بعد نفخ الروح عدد من الفقهاء منهم:
الفقيه المالكي ابن جزي في قوانينه الفقهية حيث قال : ” وإذا قبض الرحم المني لم يجز التعرض له، وأشد من ذلك إذا تخلق ، وأشد من ذلك إذا نفخ فيه الروح فإنه قتل نفس إجماعاً “
والشيخ الدردير:” ولا يجوز إخراج المني المتكون في الرحم ، ولو قبل الأربعين يوماً ، وإذا نفخت فيه الروح حرم إجماعاً”[15].
– أما  قبل نفخ الروح فقد اختلف العلماء في ذلك، وانقسموا إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: يحرم الإجهاض مطلقا، ويمثل هذا الرأي فقهاء المالكية، ومن غيرهم نجد: ابن الجوزية من الحنابلة، والإمام الغزالي الشافعي الذي يرى أنه بمجرد امتزاج ماء الرجل مع ماء المرأة ويتم التلاقح، تكون هذه النطفة قد نالت حرمة تجعل محاولة إسقاطها جناية يعاقب عليها باعتبارها سببا لكائن بشري مرتقب ويستدل على ذلك بالقياس الجلي؛ إذ يقول: “وكيفما كان، فماء المرأة ركن في الانعقاد، فيجري الماءان مجرى الإيجاب والقبول في الوجود الحكمي في العقود، فمن أوجب ثم رجع قبل القبول لا يكون جانيا على العقد بالنقض والفسخ ومهما اجتمع الإيجاب والقبول كان الرجوع بعده رفضا وفسخا وقطعا، وكما أن النطفة في الفقار، لا يختلق منها  الولد، فكذا بعد الخروج من الإحليل، ما لم يمتزج بماء المرأة أو دمها، فهذا هو القياس الجلي”[16].
 كما يرى الشيخ “عليش” بأن المالكية لا يجيزون حتى مجرد التسبب في إسقاطه، حيث يقول: ما قولكم في التسبب في إسقاطه بعد تخلقه ونفخ الروح فيه؟ فأجبت: وإذا أمسك الرحم المني، فلا يجوز للزوجين ولا لأحدهما التسبب في إسقاطه، قبل التخلق على المشهور ولا بعده اتفاقا والتسبب في إسقاطه بعد نفخ الروح فيه محرم إجماعا”[17].
الرأي الثاني: يجيز إسقاط النطفة ويحرم ما عداها، وهذا قول اللخمي من المالكية[18]وفي هذا يقول الإمام القرطبي: ” النطفة ليست بشيء يقينا، ولا يتعلق بها حكم إذا ألقتها المرأة، إذا لم تجتمع في الرحم، فهي كما لو كانت في صلب الرجل”[19].
وهو المذهب عند الحنابلة[20]، قال ابن رجب فقال: ” وقد صح أصحابنا بأنه إذا صار الولد علقه لم يجز للمرأة إسقاطه، لأنه ولد انعقد “.
الرأي الثالث: يجيز الإجهاض قبل نفخ الروح، وهذا هو مذهب الحنفية [21]الذين يعتبرون أن إسقاط الحمل قبل 4 أشهر مباح لأنه ليس بآدمي. وهو مذهب  الشافعية، وابن عقيل من الحنابلة[22].



الفقرة الثانية: تطور الحماية الجنائية للجنين في القانون الوضعي (الفرنسي نموذجا) :


الواقع انه لا يوجد تشريع يقر بعدم العقاب على الإجهاض مطلقا ، لما في هذا الفعل من اعتداء على حق الجنين في النمو الطبيعي والتطور داخل رحم الأم حتى يحين الميعاد الطبيعي المقدر لولادته، وعلى حق الأم الطبيعي في استمرار حملها وحماية جنينها وتجنيبها ما ينطوي عليه فعل الإجهاض من خطر يهدد حياتها أو صحتها ، بل وعلى حق المجتمع نفسه في حماية الأجنة واستمرار الحمل عملا على تكاثر جنسه البشري ، ضمانا لاستمراره وازدهاره لما في تأثير ازدياد أفراد المجتمع آو نقصانهم على قوته واقتصاديته .
وإذا نظرنا إلى التشريعات الحديثة الأخرى لوجدنا أن تحريم الإجهاض هو القاعدة، مع السماح به في أحوال خاصة كالسماح بالإجهاض في حالة المرض، أو في حال الخطر الذي يهدد حياة الأم أو صحتها البدنية أو النفسية، أو إذا كان الغرض من الإجهاض التخلص من حمل سفاح أو من جنين مصاب بتشوه أو بمرض وراثي خطير.
وللتعرف على الإجهاض في التشريع المقارن، فقد ارتأينا أن نستعرض الأحكام العامة للإجهاض من خلال النموذج الفرنسي، خاصة وأن قوانينها تعتبر مصدر كثير من الدول  ومنها المغرب.


لقد كان القانون الفرنسي القديم يعتبر فعل الإجهاض في مرتبة القتل سواء دبت الحياة في الجنين أم لم تظهر بعد ؛ ولذلك قرر له عقوبة الإعدام ، إلا أن قسوة هذه العقوبة قد أثارت فلاسفة القرن الثامن عشر وطالبوا بالتخفيف منها ، وبعد قيام الثورة الفرنسية وأمام ما وجه للعقوبة المقررة لجريمة الإجهاض من نقد ، فقد نص المشرع في قانون العقوبات الفرنسي الصادر سنة 1789 م على تجريم فعل من يجهض المرأة الحامل مع جعل عقوبته السجن لمدة عشرين عاما ، بيد أن العقاب كان يلحق الفاعل فقط دون المرأة الحامل ، ولم يفرق بين رضائها بالإجهاض أو الاعتراض عليه ، كما لم ينص على عقوبة للشروع في الجريمة ، الأمور التي كانت محلا لنقد الفقهاء والباحثين، لاسيما وأن القوانين الأجنبية في ذلك الوقت كانت خالية من تلك النصوص .
ثم جاء قانون العقوبات الفرنسي الصادر سنة 1810 م مقررا في المادة 317 منه على أن عقوبة الإجهاض هي السجن ، ويستوي في ذلك أن يكون مرتكب فعل الإجهاض هو المرأة الحامل نفسها ، أو أن يكون شخصا آخر أوقع عليها العدوان لهذا الغرض بدون رضاها ، أو أن يكون قد ارتكبه برضاها، أو دلها على وسائل ارتكابه مع رفع هذه العقوبة إلى الأشغال الشاقة المؤقتة إذا كان الفاعل طبيبا أو جراحا .
إلا أن التشريع الفرنسي لم يلبث أن قام بتعديلين في شأن جريمة الإجهاض في سنتي 1933 م و1939 ، فقد جعل التعديل الأول في سنة 1933 م من الإجهاض جنحة عقوبتها الحبس والغرامة ، مع تخفيف العقوبة إذا كانت المرأة الحامل هي التي قامت بإجهاض نفسها ، ومع تشديد العقوبة إذا كان الجاني ممن يزاولون مهنة الطب أو الصيدلة أو الولادة ، فضلا عن حرمانه من مزاولة المهنة  .
وفي عام 1939 م نص  المشرع الفرنسي على أن اعتياد الإجهاض يعد جريمة مستقلة لها عقوبتها ، كما نص على تجريم الشروع في الإجهاض حتى ولو كانت الأنثى في الحقيقة غير حامل طالما أنها قامت بأفعال تدل على أنها حامل ، وفي مقابل هذا التشديد نص المشرع على إباحة الإجهاض الطبي اللازم لإنقاذ الأم من خطر الحمل على حياتها ، وحدد شروطه في نص المادة 162 من المرسوم بالقانون الصادر سنة 1955 م .
وبناء على ما تقدم ، أضاف المشرع الفرنسي فقرة أخيرة للمادة 317 من قانون العقوبات ، وبمقتضاها يجوز الإجهاض قبل نهاية الأسبوع العاشر من الحمل على أن يكون ذلك بمعرفة طبيب في مستشفى ، ومع مراعاة الشروط المنصوص عليها في المادة 162 من قانون الصحة العامة[23] .

هذا وتجدر الإشارة إلى أن مصطلح الإجهاض وتجريمه، أصبح أمرا متجاوزا في القانون الجنائي الفرنسي الحالي،  حيث أنه عوض بالوقف الاختياري للحمل غير المرغوب فيه، وهو الأمر الذي أصبح أمرا مباحاً رهيناً بحرية المرأة، وللطبيب الحرية في ممارسة برضاها؛ بل المجرم حاليا هو منع المرأة من حقها المشروع في توقيف حمل لا ترغب في استمراه.


1 2الصفحة التالية
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock