فرنسا وانهيار الجزائر الوشيك

كتب السفير الفرنسي السابق في الجزائر غزافييه دينكور، مقالا مهما بعنوان “الجزائر تنهار.. هل ستجر فرنسا معها”. المقال الذي نشر في صحيفة “لوفيغارو”، حاول صاحبه أن يقدم صورة تقييمية نقدية شاملة للوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الجزائر، خلال تولي عبد المجيد تبون السلطة في بلد المليون شهيد.

السفير غزافييه دينكور، رجل سياسة محنك، وعلى علم عميق بخبايا المشهد السياسي الجزائري، بحكم توليه منصب سفير فرنسا في الجزائر لفترتين، الأولى ما بين 2008 و2012 والثانية ما بين 2012 و2017. مما يجعل تحليله ذا أهمية لا يستهان بها. فكيف ينظر إذن السيد السفير إلى الوضع في الجزائر، وما الذي جعله يتنبأ بانهيار الجزائر، التي قد تقود إلى انهيار الجمهورية الخامسة في فرنسا.

يرى غزافييه أن من واجبه تجاه بلده فرنسا أولا وتجاه الشعب الجزائري الذي يحترمه ثانيا، يفرض عليه أن ينبه قادة الإليزيه وعلى رأسهم الرئيس ماكرون، لعلههم يستيقظون ويخرجون من وهم الرهان على الجزائر التي يعتبرها في طريقها إلى الانهيار في عهد ما يسمى بـ”الجزائر الجديدة” تحت قيادة الرئيس عبد المجيد تبون.

ويحذر ماكرون من أن انهيار الجزائر سيؤدي لا محالة إلى انهيار الجمهورية الفرنسية، ربما بشكل أقوى مما حدث للجمهورية الرابعة سنة 1958، حين لم تستطع الحكومة الفرنسية تجاوز أزماتها الناجمة عن عدم قدرتها حسم أمر المستعمرات، وخاصة المستعمرة الجزائرية، مما اضطر حينها القائد الحربي شارل ديغول للتخلي عن تقاعده، والعودة للرئاسة إدارة انتقالية، ووضع دستور جديد، فحلت الجمهورية الرابعة من خلال استفتاء 5 أكتوبر 1958 لتتأسس الجمهورية الخامسة التي مازالت قائمة حتى الآن. والتي يخشى عليها كاتب المقال من أن تعرف مصيرا كمصير الجمهورية الرابعة، التي كانت الجزائر، كما أسلفنا، سببا في نهايتها.

إقرأ أيضا :  "الدولة الوطنية" بعد كورونا

ما هي مؤشرات انهيار الجزائر التي لاحظها السيد السفير غزافييه دينكور؟ يرى هذا الأخير، أن جميع المراقبين الموضوعيين للشأن السياسي في الجزائر، لاحظوا أنه ومنذ 2020 وبعد أسابيع معدودة من بارقة الأمل التي حاول الرئيس تبون أن يبثها بين المواطنين، سرعان ما سقط القناع وأظهر النظام الجزائري وجهه البشع، والمتمثل في سيطرة طغمة من العسكريين على مقاليد الحكم في البلد.

العسكر الذين كانوا ولا يزالون هم الحكام الفعليين للجزائر، حاولوا جاهدين تقديم للشعب وللعالم واجهة مدنية تتمثل في رئيس مدني، لكن في الكواليس ظل نظام العسكر، هو من يمسك خيوط اللعبة السياسية. نظام يصفه السفير الفرنسي بأنه وحشي، مدرب على أساليب الاتحاد السوفياتي، مهووس بالحفاظ على امتيازاته وريعها غير آبه بالأزمة الاقتصادية التي تخنق الشعب الجزائري.

من بين المؤشرات الأخرى التي يتطرق إليها مقال غزافييه دينكور، الحملة الشرسة التي يشنها النظام على سياسيين وعسكريين وموظفين محسوبين على النظام السابق، نظام عبد العزيز بوتفليقة، إضافة إلى الصحفيين الذين يعتقلون ويتم الزج بهم في السجون، لأنهم كتبوا مقالات تنتقد السلطة القائمة. ناهيك عن الإعفاءات التي تتم في حق كل من يحاول أن يغرد خارج ما يشدو به العسكر. وقد تمادى النظام في البطش بالمعارضين، مستغلا ظروف انتشار جائحة كوفيد-19، والحرب الروسية الأوكرانية، ولم يكتف النظام بذلك، بل لجأ إلى إغلاق العديد من المؤسسات الإعلامية، المكتوبة والمسموعة، كما فعل، مع جريدة “Liberté” وصحيفة “الوطن” التي وضعت تحت الوصاية، وراديو “M” الذي اعتقل مديره إحسان القاضي. وموقع “AlgeriePart”، بدعوى أنه يتلقى أمولا من الخارج لزعزعة النظام القائم.

إقرأ أيضا :  أخنوش يشرف على توقيع اتفاق بين الحكومة والنقابات التعليمية الأكثر تمثيلية

بعد تحليل الوضع المأزوم في الجزائر، ينتقل السفير الفرنسي إلى حكومة بلده، وينتقدها بدورها، متهما إياها بالعمى. فحكومة ماكرون حسب كزافييه، تتظاهر وتعتقد ربما عن قصد بشرعية النظام الجزائري، حتى ولو لم يكن ديمقراطيا، وأن العداء الذي يكنه الشعب الجزائري لفرنسا المستعمرة شر لا بد منه. ترتكب الحكومة الفرنسية خطأ جسيما حين تحاول من خلال الزيارات المتكررة إلى الجزائر والرضوخ للنظام فيها، من أجل طي ملف الحقبة الاستعمارية، وحل مشكل التأشيرات، وكسب نقط لدى الجزائريين وحكامهم. ما يريده ماكرون هو مجرد وهم، بل خطا لأن العسكر الذين يحكمون الجزائر، لديهم على الدوام خوف من فرنسا.

يمضي السفير الفرنسي في تحليله متسائلا لماذا لا تتشبث حكومة بلاده بأسلوب القوة، بدلا من اللاواقعية الساذجة التي تتعامل بها مع حكام قصر المرادية. مؤكدا على أن الوضع الاقتصادي والسياسي في الجزائر يختنق، وأن جل السكان لا يفكرون سوى في مغادرة بلدهم. مما سيجعل فرنسا تؤدي ثمن هجرة جماعية إليها إذا ما استمرت في غض الطرف عما يقع في الجزائر.

إقرأ أيضا :  قوى دولية تتنافس حول النفوذ بإفريقيا .. خبير: روسيا تخطط لتعويض فرنسا

يختم غزافييه مقاله، بأن الجزائر تشكل بالفعل مشكلة لفرنسا، فهي بالنسبة للسفير تنهار، لكنها قد تجر فرنسا معها إلى المصير نفسه، ويحذر كاتب المقال حكومة بلده، قائلا “إن الجمهورية الرابعة ماتت في الجزائر، فهل ستستسلم الجمهورية الخامسة بفرنسا بسبب الجزائر؟

#فرنسا #وانهيار #الجزائر #الوشيك

زر الذهاب إلى الأعلى