زين الدين يستخلص نتائج نصف قرن من الحياة الدستورية والسياسية بالمغرب

صدر للدكتور محمد زين الدين، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، كتاب جديد تحت عنوان “الدستور ونظام الحكم بالمغرب”، يسلط الضوء من خلاله على الحياة السياسية والدستورية بالمغرب.

وجاء في مقدمة الكتاب أن “هذا المؤلف يسعى إلى استخلاص نتائج ما يزيد عن نصف قرن من الحياة الدستورية والسياسية بالمغرب من خلال القيام بتقييم موضوعي لمسار هذه الحياة في علاقتها بنظام الحكم، كما يستهدف هذا العمل رصد أسس ومرجعيات الدستور المغربي والوقوف عند كيفية وضعه وتطبيقه”.

وأوضح صاحب الكتاب أن الهدف من ذلك هو فهم “خلفيات محدودية وظيفة هذا الدستور في علاقته بنظام الحكم؛ وهي محدودية نرجعها إلى كون الدستور المغربي ليس مقوما ديمقراطيا، ولكنه مجرد آلية لتنظيم الحياة السياسية، خضعت إلى عملية شد وجذب، متأثرة بمختلف الظروف التي مر منها المغرب، بيد أنها تبقى آلية جد محدودة لضبط العلاقات بين مختلف الفاعلين السياسيين المغاربة”.

وأردف: “عبر هذا المسار الدستوري الغني والمعقد دأب المغاربة على المطالبة بضرورة إجراء إصلاحات دستورية هامة وجد متقدمة على عصرهم، لكنهم في نهاية المطاف لا يطبقون من هذه المطالب إلا النزر القليل، ويمكن تفسير هذا الوضع بقدرتهم على إجادة توظيف جدلية التوتر والجمود السياسيين، فبقدر ما يجيدون القدرة على أخذ المبادرة الإصلاحية بقدر ما يرتكنون بعد ذلك إلى حالة من الانتظارية والجمود”.

ولفت زين الدين إلى أن ذلك الارتكان عبارة عن “سلوك عام يطبع علاقة المغاربة بدستورهم، الأمر الذي يقودهم إلى تطبيق تقريبي لمقتضياته، وفي أحايين كثيرة إلى إدخال العديد من مقتضياته في سبات عميق، مفضلين اللجوء إلى ممارسات تتعارض أحيانا مع روح وجوهر الممارسة الديمقراطية كاللجوء إلى خيارات التوافق والتراضي، ولو على حساب النص الدستوري نفسه”.

واستطرد بأنه “في مقابل جدلية التوتر والجمود، فإن الممارسة السياسية في التعاطي مع المطالب الدستورية قادت إلى بروز نزوع جل الفاعلين السياسيين إلى تبني نوع من المرونة والواقعية السياسيتين في التعاطي مع المواقف القطعية؛ الأمر الذي مكن من تحقيق قدر كبير من التوافق السياسي حول الثوابت الدستورية للدولة، وكذا حول طبيعة المبادئ الدستورية المحددة لقواعد التنافس الديمقراطي، والاختيارات الاستراتيجية للدولة والمجتمع على حد سواء”.

“وإذا كان الدستور في النظم السياسية الغربية هو الأساس المحوري لتأطير العلاقة بين الحاكم والمحكوم، فإنه في الحالة المغربية لا يعدو أن يكون سوى مكمل لقواعد سياسية ضمنية وأحيانا إلى مجرد مؤثث لهذه القواعد، حيث ما زالت التقليدانية السياسية ترخي بظلالها على الممارسة السياسية، على اعتبار أن ماضينا السياسي مازال متجذرا في حاضرنا ويؤثر في مستقبلنا”، يضيف الباحث.

إقرأ أيضا :  سلوفينيا تدعم الحل السياسي لقضية الصحراء

كما أن ورقة الإصلاح الدستوري في المغرب، يؤكد الكاتب، “ظلت توظف كلما لاحت في الأفق السياسي أزمة مؤسساتية أو سياسية، بل أكثر من ذلك يتم اختزال مختلف الآفات التي يعاني منها المغرب في مسألة الإصلاح الدستوري، فيما الواقع أن هذا الإصلاح لا يعدو أن يكون سوى مدخل من مداخل تحقيق انتقال ديمقراطي فعلي، يرتكز على ضرورة تقعيد ممارسة سياسية ديمقراطية من قبل مختلف المتعاملين معه، لأن الدستور يبقى في نهاية المطاف مجرد وعاء قانوني بحاجة إلى ممارسة سياسية ديمقراطية واعتيادية ناضجة تتم من قبل فاعلين سياسيين يستوعبون روحه وجوهره”.

وتابع قائلا: “في هذا الإطار، يطرح سؤال المسألة الدستورية في علاقتها بنظام الحكم بإلحاح شديد، حيث أتت في سياق تاريخي وسياسي يكاد يكون مختلفا عن سياق نظيرتها الغربية؛ فإذا كانت المسألة الدستورية في الغرب قد أتت بهدف تقييد السلطات المطلقة للملكية، فإن نظيرتها بالمغرب انبثقت تاريخيا من أجل مواجهة المد الإمبريالي الغربي من جهة، ومحاولة دمقرطة النظام المخزني مع بداية مغرب القرن العشرين من جهة أخرى”.

وتوقف زين الدين عند نقطة الفكر الدستوري، موردا أنه “إذا كان الفكر الدستوري الغربي قد بلوره مفكرون علمانيون دعوا إلى ضرورة الفصل بين الكنيسة والدولة، فإن نظرائهم المغاربة ظلوا حبيسين داخل منظومة صرف دينية لكون مرجعياتهم الفكرية ظلت مرجعية دينية خالصة، فأصحاب المشاريع الدستورية لمغرب ما قبل الحماية كانوا فقهاء ذوي توجه سلفي كالشيخ عبد الكريم الطرابلسي، وسعيد السلاوي، وعلي زنيبر، لذلك ظل هؤلاء الفقهاء يطالبون بإجراء إصلاحات دستورية وسياسية وفق المرجعية الإسلامية وليس خارج إطارها”.

ولفت الأستاذ الجامعي إلى أنه رغم هذا التوجه، فإن “مشاريعهم الدستورية لم يكتب لها النور لأسباب متعددة، أبرزها غياب الوعي السياسي لدى المجتمع المغربي، واستمرار البنيات التقليدية للمخزن، فلم يكن هناك في سنة 1912 فارق جوهري بين التنظيم السياسي للدولة والنظام الذي بناه السلطان مولاي اسماعيل في القرن السابع عشر، بحيث لم يطرأ أي تغيير على نظام الحكم، فظلت المشاكل الداخلية على حالها، تتلخص في جباية ضرائب تقليدية، وتنظيم الجيش وقمع القبائل، الأمر الذي أقبر هذه المشاريع وهي في مهدها”.

وزاد: “أما في مغرب الحماية، فقد برزت بعض المطالب الإصلاحية المتمثلة في كتلة العمل الوطني لسنة 1934 مطالبة بضرورة إنشاء هيئات منتخبة، وخلق قضاء وإدارة عصريين، دون أن ننسى ميثاق الحزب الوطني لسنة 1937 ووثيقة المطالبة بالاستقلال لسنة 1944، وكلها وثائق كانت تطالب بضرورة إرساء دعائم نظام ديمقراطي والقضاء على كل ما من شأنه أن يمس بالحرية، أو يقصي إمكانات المشاركة السياسية”.

إقرأ أيضا :  المجموعة النيابية لحزب "العدالة والتنمية" تعتزم التصويت ضد اتفاق مع إسرائيل‎‎

وذكر الكاتب أنه “بعد حصول المغرب على استقلاله، تكرست تلك المفارقة السياسية النوعية بين المسألة الدستورية المغربية ونظيرتها الغربية، بل حتى مقارنة مع الوضعية المغاربية؛ فإذا كان النضال السياسي في الجزائر قادته قوة سياسية واحدة متمثلة في جبهة التحرير الوطني، والأمر نفسه ينطبق على تونس من خلال وجود قوة سياسية واحدة، ألا وهي الحزب الدستوري الديمقراطي بزعامة الحبيب بورقيبة، فإن الأمر كان مختلفا بالنسبة للحالة المغربية”.

وبخوص الحالة المغربية، أشار المصدر عينه إلى “وجود قوتين سياسيتين؛ فمن جهة، نجد المؤسسة الملكية المتمتعة بمشروعيات تاريخية ودينية ووطنية وسياسية. ومن جهة أخرى، نجد الأحزاب المنحدرة من الحركة الوطنية، لكن هاتين القوتين السياسيتين اختلفتا حول طريقة نظام الحكم في المغرب المستقل؛ إذ ساند جناح من المعارضة اليسارية مطلب تأسيس جمعية تأسيسية منتخبة تضع قانونا أساسيا للبلاد، فيما لم تكن القوى السياسية الأخرى ترى ضرورة لذلك، ليتم وأد هذا المطلب في المهد، ولتتمكن المؤسسة الملكية من الانفراد بوضع السلطة التأسيسية الأصلية، فقد تمكن الملك الحسن الثاني من حسم مسألة السلطة التأسيسية لفائدة المؤسسة الملكية”.

وفي هذا السياق، قال زين الدين إن “الحسن الثاني جاء خلفه، فتصرف لدوافع خارجية وداخلية كما لو كان تعارض بين الأمرين، منح دستورا ثم ألغاه ثم عدله حتى لا يمس في شيء استئثاره بالمبادرة، بالأمر والمنع، بالعقد والحل، استمع باستمرار لنصيحة ماكيافيلي: إذا كان لا بد من الاختيار بين أن يحبك الشعب أو أن يهابك، اختر الهيبة على الحب لأنها الضامن لسلطانك، وحتى عندما تغيرت الأوضاع ظل وفيا لعقيدته، وعدل الدستور مجددا مع أخذ كل الاحتياطات اللازمة حتى لا ينتقص من صلاحياته”.

ولتحقيق هذا المسعى، يضيف الكاتب، “وظف الملك الحسن الثاني جملة من الآليات التدبيرية والمؤسساتية، أبرزها الاستعانة بالنخب القروية؛ إذ أدرك في وقت مبكر جدا أنه بالاستناد إلى هذه النخب سيتمكن من التحرر من قبضة الحركة الوطنية، ليلج مطلب تأسيس جمعية تأسيسية منتخبة متحف القانون الدستوري المغربي من بابه الواسع، حيث أصبح الفاعلون السياسيون يركزون على مضمون الوثيقة الدستورية عوض التركيز على من سيضع هذه الوثيقة”.

كما ذكرت الوثيقة بأن “دستور 1962 وضع القواعد الأساسية للنظام الدستوري السياسي المغربي؛ إذ أقر نظام ملكية دستورية ديمقراطية اجتماعية، واعتبر الدين الإسلامي دينا رسميا للمملكة المغربية، مثلما أقر نظام التعددية الحزبية، وأفرز في مقابل ذلك سموا دستوريا واضحا للمؤسسة الملكية على حساب الجهازين التشريعي والتنفيذي”، مبرزا أن “الأحداث المأساوية التي عرفها مغرب السبعينيات قد أفضت إلى انبثاق دستور 1970 بشكل جعله ابنا شرعيا للظروف المحيطة به، لدرجة تدفعنا إلى القول بـأنه أتى كدسترة لحالة الاستثناء”.

إقرأ أيضا :  مهم للطلبة 12 فكرة لتستفيد من الإجازة الصيفية بشكل فعال ومفيد

وأشارت إلى أن “تداعيات أحداث مغرب السبعينيات، خصوصا بعد أحداث الصخيرات، دفعت المؤسسة الملكية إلى البحث عن نوع من الإجماع الوطني، فلم يعمر دستور 1970 سوى سنتين، ليأتي دستور 1972 مانحا المغرب قدرا كبيرا من الانفتاح السياسي عمر لمدة تزيد عن عشرين سنة، بل إن هذا الدستور عرف عدة تعديلات دستورية، لكن في الوقت نفسه حمل بين طياته عوامل موته؛ إذ لم يستطع مسايرة مختلف التحولات الدولية والمتغيرات الوطنية التي جاء بها عقد التسعينيات، فجاءت المراجعة الدستورية لسنة 1992 متضمنة بعض التحسينات الدستورية الجديدة والمتجددة على الهندسة الدستورية المغربية”.

وذكر الكتاب كذلك بأن “دستور 1996 جاء ليستجيب لبعض مطالب أحزاب المعارضة آنذاك، الأمر الذي يدفعنا إلى اعتباره دستورا توافقيا؛ إذ مكن المغرب من الانفلات من ظاهرة الاستنقاع السياسي، فعرف في عهده تدشين مرحلة التناوب التوافقي بين المؤسسة الملكية وبعض الأحزاب المنحدرة عن الحركة الوطنية عبر توظيف آلية التوافق والتراضي”، معتبرا أن “هذا الوضع الدستوري والسياسي سيتغير مع بروز موجة الربيع العربي التي لم ينفلت المغرب من تأثيراتها”.

ومن أجل تجاوز تداعيات الموجة، سيُقدم الملك محمد السادس على “وضع أجندة إصلاحية استباقية وواضحة المعالم، بلورها بوضوح خطاب التاسع من مارس لسنة 2011، حيث أظهر الملك وعيا سياسيا ملحوظا بضرورة الإقدام على إصلاحات جوهرية وجريئة قصد تلبية التطلعات الديمقراطية للشعب، كاشفا عن جاهزية هذا النظام وقدرته على مسايرة المستجدات الطارئة”.

ووفقا للكتاب، فإن أهم “مستجد أساسي أتى به دستور 2011 هو قدرته على التأطير بوضوح للمرجعيات المؤطرة للعلاقة بين الحاكم والمحكوم، مثلما أفضت الهندسة الدستورية الجديدة إلى تغليب النزعة البرلمانية على حساب النزعة الرئاسية التي كانت مهيمنة في الدساتير السابقة، وإن كان مطلب إقرار ملكية برلمانية على شاكلة النظام السياسي البريطاني ظل بعيدا عن صياغة هذه الهندسة إدراكا من الفاعلين السياسيين بأن الملكية البرلمانية لا يمكن قراءتها إلا من خلال الخطوط العريضة للتاريخ السياسي لأي بلد”.

وواصل الباحث مقدمته بالقول إن “الدستور ليس إطارا جامدا، بل إنه في حركية مستمرة يستحضر بقوة حركية التاريخ، مثلما يستحضر التوازنات السياسية، وهو ما أظهره الفاعلون السياسيون ملكية وأحزابا ونقابات في تبني مقتضيات دستور 2011، مستحضرين بأن التوازنات السياسية تفضي إلى تنازلات دستورية متبادلة بين مختلف هذه الأطراف السياسية”، مشيرا إلى أن “الفاعلين لا ينظرون إلى الدستور سوى باعتباره آلية للاحتفاظ بتوازن سياسي مضبوط بدقة عالية”.

#زين #الدين #يستخلص #نتائج #نصف #قرن #من #الحياة #الدستورية #والسياسية #بالمغرب

زر الذهاب إلى الأعلى