دواعي تقنين عقد النقل المبرم عبر التطبيقات الذكية

يوسف كبيطيالأحد 8 يناير 2023 – 13:18

ظهرت خلال السنوات الأخيرة الكثير من التطورات الهامة والكبيرة في مجال تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات وخصوصا الشبكة العنكبوتية التي أحدثت تغييرا كبيرا في طبيعة الحياة الاقتصادية ونمطها، والتعامل التجاري للمستهلكين كافة، سواء في الدول المتقدمة أو في الدول النامية، وأصبح اليوم من السهل جدًا اقتناء السلع والخدمات من خلال التعامل التجاري عن طريق الاستعانة بالوسائل الإلكترونيّة، وأصبح هذا التعامل من خلال شبكة الأنترنت عن طريق تقديم طلبات عبر أنحاء العالم بمجرد الضغط على أحد الأزرار حتى تسير الأمور على أحسن ما يرام وبسرعة تفوق الخيال.

إن اكتشاف الشبكة المعلوماتية، ساعد على التواصل القوي بين الأشخاص بواسطة ما صار يعرف بالعقود الإلكترونية، إذ قامت بتقريب المسافات وخففت العناء الكبير الذي كان في الماضي في ما يتعلق بالاتصال والتواصل داخليا وخارجيا، فأصبحت ليس فقط وسيلة اتصال، وإنما أيضا وسيلة للالتقاء وتبادل المعارف والمعلومات والتبادل التجاري بين الدول، وجعلت التعاقد قصد تبادل السلع والخدمات عن بعد ممكنا على مدار الساعة من دون الحاجة إلى الالتقاء المادي بين الطرفين، الأمر الذي أدى إلى نشأة ما يسمى بالعقد الإلكتروني، وبالتالي بروز عقود مستحدثة إلكترونيا من قبيل النقل عبر التطبيقات الذكية، الأمر الذي دفع العديد من الدول إلى تنظيمها لكونها تشكل مجالا حساسا وحيويا يمس بكيان اقتصاديات كل دول العالم.

إقرأ أيضا :  الحكومة تعتمد قانونا جديدا للصفقات العمومية بشأن تفضيل الشركات الوطنية

فتنظيم النقل عبر التطبيقات الذكية سيشجع لا محالة على الرفع من التنافسية القائمة في القطاع، وسيساعد على تحقيق الاكتفاء في تنقل المواطنين، سواء في الضواحي أو الحواضر، كما يشجع على جذب الاستثمار في هذا القطاع الحيوي خاصة الاستثمارات الأجنبية الرائدة في هذا المجال مما سيدعم جهود الدولة ليس في توفير النقل فحسب، بل في تحفيز التكوين الجيد، وجلب الخبرات والتجارب الناجحة والانفتاح على التجارب السباقة في ذلك، مع خلق فرص الشغل وخفض نسبة البطالة لدى الشباب العاطل.

ولقد تعددت آراء المواطنين بخصوص تقنين هذه الخاصية لما لها من نفع إيجابي على حياتهم، بحيث أقر أحد الفاعلين الجمعويين ما يلي “لا أستعمل تطبيقات النقل المبرم إلكترونيا، ولم أجربها قط، لكن أعاني أحيانا مع سائقي سيارة الأجرة، فتراهم يقفون عند مدخل المحطات الطرقية ومحطات القطار ويبحثون عن زبون خاص حددوه مسبقا”، فيما يعتبر البعض الآخر أن قطاع النقل التقليدي على الرغم من تقنينه إلا أن الواقع يؤكد سلبياته التي لا تعد ولا تحصى، منها ما يتعلق بسلوك السائقين ومنها ما يتصل بالحالة المهترئة للعربة أو السيارة المستخدمة، ضاربين بذلك عرض الحائط القانون المؤطر للمهنة دون رقيب أو حسيب، وهذا في حد ذاته يشكل خرقا صارخا للقوانين الجاري بها العمل، في المقابل يرتاح المواطنون لخدمات النقل المقدمة عبر التطبيقات الذكية ويمدحون الخدمة ويؤيدون تقنينها لما يتوفر فيها من راحة وحسن التعامل.

وما دام أن المواطن يود التعاقد بإرادته الحرة فيمكننا استحضار مبدأ سلطان الإرادة الذي يمنح للأطراف الحرية في اختيار الطريقة التي يرونها مناسبة لإبرام تصرفاتهم، إذ يمكنهم التعبير عن إرادتهم بشكل صريح باستخدام اللفظ أو الكتابة أو بالإشارة المتداولة عرفا، شرط أن لا يكون هذا التعبير يحمل ظروفا تحول دون تبيان حقيقته، وقد يكون التعبير بشكل ضمني ومنه يتم إبرام العقد بناء على مبدأ رضائية العقود اللهم إذا نص القانون على شكل معين، والشيء نفسه ينطبق على العقود الإلكترونية التي تتطلب إيجابا وقبولا مع توفر الأركان اللازمة لانعقاد أي عقد، واعتمادا على المبدأ السالف الذكر فلا داعي لمنعه أو عرقلة شرعنته، وإنما الواجب هو تأطير مجال التعاقد الخاص بهذا النوع من العقود وتقنينه وتنظيمه وإدراجه ضمن أنواع النقل المستحدثة بالمغرب، وجعله يتماشى مع روح العصر.

إقرأ أيضا :  بوريطة: المغرب يرفض المساس بالوضع التاريخي والقانوني للقدس الشريف‎‎

ونحن من جهتنا كمؤيدين لتقنين هذا القطاع نرى بأن “النقل عبر التطبيقات الذكية” هو ضرورة حتمية فرضت نفسها في ظل التطورات التي عرفتها شتى المجالات، خاصة حينما تم إقرار مجموعة من النصوص القانونية المتعلقة بالتعاقد بشكل إلكتروني، منها ما تم تضمينه في ظل مقتضيات القانون 53-05 المتعلق بالتبادل الإلكتروني للمعطيات القانونية، ومنها ما يتعلق بالعقود المبرمة عن بعد والخاضعة في تنظيمها لمقتضيات القانون 31-08 المتعلق بتحديد تدابير لحماية المستهلك، وما على الجهة المعنية بالقطاع إلا أن تسرع وتيرة عملها في ما يخص تأطير النقل عبر التطبيقات الذكية الذي يدخل ضمن أنماط التنقل الحديثة، بغاية الرفع من تنافسية القطاع، مع العمل على ضمان سلامة المواطنين وتحسين الخدمات المقدمة لهم، وتجاوز إشكال العدالة الخاصة أو شرع اليد الذي بات يطبقوه أصحاب سيارات الأجرة، وقد طفت الحوادث المرتبطة بهذا الأمر كثيرا في الآونة الأخيرة، بحيث يتهجم في العديد من المرات بعض أصحاب سيارات الأجرة على الشخص القائم بتقديم خدمة النقل عبر التطبيقات الذكية وكأنهم السلطة المخول لها تطبيق القانون، وهذا في حد ذاته يشكل خرقا للقانون وتطاولا عليه، إذ لا يعقل أن يتم حصرك من قبل سائقي سيارات الأجرة والقيام بالاعتداء عليك أو تقديمك للجهات المختصة لما في ذلك من خطورة على أمن الموطنين من جهة، وسلامة الشخص المحاصر من جهة أخرى وبالتالي أصبحت هذه الظاهرة مقلقة جدا، ولا أدل على ذلك من كونها أضحت حديث الإعلام والرأي العام الوطني والجمعيات الحقوقية، مما يستدعي الحسم في تأطيره من قبل الجهات المعنية من عدمه.

إقرأ أيضا :  سبل إنقاد المقاولات في ظل ازمة التشريع زمن جائحة كرونا المستجد
التطبيقات الذكية النقل

#دواعي #تقنين #عقد #النقل #المبرم #عبر #التطبيقات #الذكية

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى