حديث في ذكرى الاستقلال

يحتفي الشعب المغربي قاطبة، بالذكرى 67 لعيد الاستقلال المجيد، وإذا كانت المناسبة تقتضي الجنوح الاضطراري نحو تاريخ المقاومة الوطنية، والغوص في أغوار الذاكرة النضالية المشتركة، لمقاربة حدث الاستقلال في أبعاده التاريخية والسياسية والنضالية ومستوياته الوطنية والدولية، واستنباط ما يعبر عنه من قيم وطنية ودينية، وما يجسده من لحمة وطنية ومن دروس وعبر، ومن ارتباط وثيق بثوابت الأمة.

فإنها (المناسبة) تقتضي أيضا، التنبيه إلى أن عجلة التحرر والاستقلال، لم تتوقف البتة، عند عتبة التوقيع على عقد إلغاء معاهدة الحماية، بل مازالت في دوران مستمر، لاعتبارين اثنين، أولهما: أن مجموعة من المناطق المغربية وفي طليعتها مدينتي سبتة ومليلية السليبتين، مازالت تحت قبضة الاستعمار الأجنبي، وثانيها: يرتبط بالنزاع المفتعل حول قضية الصحراء المغربية، وما يفرضه من تحديات آنية ومستقبلية، وسواء تعلق الأمر بالاعتبار الأول أو الثاني، فلا بد من الإقرار بأن أبواب النضال والتحرر مازالت مفتوحة، بل لا بد أن تبقى مفتوحة، إلى حين استكمال آخر عقود قلادة الوحدة الترابية للمملكة.

وبقدر ما نؤكد على أهمية الانخراط في معركة استكمال وحدة الأرض وتأمين سلامة التراب، بقدر ما نؤكد على ضرورة خوض معركة موازية، دافعة في اتجاه “الافتكاك من التبعية للخارج”، بما يضمن كسب رهان “الاستقلالية التامة”، وفي هذا الإطار، إذا كان بطل التحرير جلالة المغفور له الملك محمد الخامس طيب الله ثراه، قد ردد -بعد عودته من المنفى- الأثر الوارد عن السلف الصالح والقائل: “رجعنا من الجهاد الأصغر (مرحلة المنفى) إلى الجهاد الأكبر (مرحلة الشروع في بناء أسس الدولة المغربية الحديثة)”، فنرى حسب تقديرنا، أن مغرب اليوم، لا بد له أن يغير من الإيقـاع، بالاتجاه نحو مرحلة ثالثة من الجهاد، ارتأينا توصيفها بمرحلة “ما بعد الجهاد الأكبر”، من منطلق أن افتكاك ما تبقى من التراب الوطني، لا بد أن يكون مقرونا بجهاد ثالث عنوانه العريض: “الاستقلالية التامة عن الخارج”، بشكل يساعد على استقلال القرار…

إقرأ أيضا :  الشروط الشكلية للوقف / شروط صحة الوقف

جائحة كورونا وبعدها الحرب الروسية الأوكرانية التي لم تضع أوزارها بعد، كشفت وتكشف أن المغرب يصعب عليه تأمين الحاجيات بمعزل عن الخارج، سواء تعلق الأمر بالمحروقات (السيادة الطاقية) أو الفلاحية (السيادة الغذائية) أو بالصناعة الدوائية والبيو تكنولوجية (السيادة الصحية)، أو بالصناعات الدقيقة والعسكرية (السيادة الصناعية)…، وهذه الفراغات وغيرها، من الطبيعي أن تتم تعبئتها من طرف القوى الكبرى، التي نمنحها بضعفنا وتقاعسنا وعبثنا وعدم تبصرنا، فرصا لتمارس علينا المزيد من السيطرة والتحكم والابتزاز أحيانا، لخدمة مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية.

مرحلة “ما بعد الجهاد الأكبر”، تقتضي إصلاحا حقيقيا بسواعد مغربية خالصة، تستحضر “الله” و”الوطن” و”الملك”، كما تقتضي تعبئة ما يزخر به الوطن من خبرات وكفاءات مغربية مهاجرة، تحظى بالاعتراف الدولي، تمارس في قطاعات حيوية واستراتيجية من قبيل “الصناعات عالية التكنولوجيا” و”الصناعات البيو تكنولوجية” و”صناعات الفضاء” و”الطاقات المتجددة”، وغيرها من القطاعات والحقول المعرفية، القادرة على الدفع بالمغرب في اتجاه “الاستقلالية التامة”. وفي هذا الصدد، من غير المقبول إطلاقا، أن نتابع أخبار خبرات وكفاءات مغربية من مغاربة العالم، ترسم قصص نجاح في بلدان المهجر في عدة مجالات وحقول معرفية، بل ويتم استقطابها وتمكينها من كافة شروط التحفيز، دون أن تجد الاعتراف ولا الالتفاتة من جهة البلد الأم، في وقت تفتح فيه الأبواب على مصراعيها أمام “كفاءات” محلية “لا تقدم ولا تؤخر”.

استثمارا لجائحة كورونا وما تركته خلفها من دروس وعبر على جانب كبير من الأهمية، واستخلاصا للحرب الروسية الأوكرانية وتأثيراتها المتعددة المستويات على الواقع الاقتصادي والاجتماعي الوطني، وتأملا للجفاف السائد، الذي أرخى بكل ثقله على المعيش اليومي لشرائح واسعة من المواطنين، بات من باب الاستعجال، الدخول إلى مرحلة “ما بعد الجهاد الأكبر”، التي تقتضي الرهان، على كفاءات حقيقية مشهود لها بالمواطنة الحقة والمسؤولية والالتزام، والوفاء للثوابت الوطنية والدينية والتضحية ونكران الذات، قادرة على بلورة “حلول مبدعة وخلاقة”، من شأنها الدفع في اتجاه وضع البلد على سكة التحرر والاستقلالية عن الخارج، وتملك “المناعة الكاملة” التي من شأنها جعل المغرب، يواجه ما يخفيه المستقبل من صدمات وبائية كانت أو أمنية أو بيئية أو طبيعية.

إقرأ أيضا :  هذه التقارير وكيف نتلقاها

بالرجوع إلى الذكرى 67 لعيد الاستقلال المجيد، من الواجب التذكير بأن “حدث الاستقلال”، ما هو إلا مرآة عاكسة لمسلسل طويل من الكفاح والنضال، انخرط فيه الآباء والأجداد، بوطنية حقة ومسؤولية والتزام ووفاء، وإخلاص لثوابت الأمة وتضحية ونكران للذات، متحملين في ذلك، وزر المخططات الاستعمارية الظالمة، وما ارتبط بها من محن وشدائد ومؤامرات جبانة، وما أحوج مغرب اليوم، إلى هذه القيم الوطنية، من منطلق أن “مرحلة ما بعد الجهاد الأكبر”، لا يمكن تصورها إلا في ظل مسؤولين/ مواطنين حقيقيين يخدمون الوطن وقضاياه المصيرية والاستراتيجية، آناء الليل وأطراف النهار، يضعون المصالح العليا للوطن فوق كل اعتبار، مرحلة ثالثة من الجهاد، لا بد من الانخراط فيها بكل جاهزية واستعداد وتفـان ومسؤولية والتزام، مستحضرين ما يواجه الوحدة الترابية للمملكة من تحديات، وما ينتظر البلد، من رهانات تنمويـة، وما قد يواجه الوطن من مخاطر محتملة، في ظل ما يعيشه عالم اليوم من متغيرات اقتصادية وجيوسياسية ووبائية.

عيد الاستقلال المجيد، وبعده ذكرى المسيرة الخضراء المظفرة، يقتضيان معا، على التوالي “الترحم على صناع ملحمة المقاومة والتحرير، وفي طليعتهم بطل التحرير الملك محمد الخامس، ومبدع المسيرة الخضراء الملك الحسن الثاني طيب الله ثراهما”، و”الوقوف وقفة احترام لكل أفراد القوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والجمارك..، لما يتحملونه من مهام جسام، حتى يبقى الوطن حرا وآمنا ومستقرا “، “وتحية تقديـر لكل المغاربة الشرفاء والأحرار والنزهاء، الذين يخدمون الوطن في صمت، بعيدا عن اللغط والجدل والفانتازيا والعنتريات”، ولا يمكن أن ندع الفرصة تمر، دون التنويه بما حققته وتحققه الدبلوماسية المغربية، تحت القيادة المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس أيده الله، من مكاسب ونجاحات، يعكسها اتساع دائرة الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، وهذه الدينامية الدبلوماسية المتعددة الزوايا، لا بد أن تكون مدعومة بجبهة داخلية موحدة ومنسجمة، وبمسؤولين يستحضرون ليس فقط، “الله” و”الوطن” و”الملك”، بل ويضعون في الحسبان، قاعدة دستورية عنوانها العريض “ربط المسؤولية بالمحاسبة”، وهذه القاعدة، آن الأوان لتحريكها وإشهارها في وجه العابثين والمتهورين، ممن يصرون على فرملة عجلة الوطن، ويمنعونه من فـرص النهوض والارتقاء والرخاء والازدهار…

إقرأ أيضا :  مقتل مغربية برصاص الجزائر يغضب حقوقيين

#حديث #في #ذكرى #الاستقلال

زر الذهاب إلى الأعلى