امتحان المحاماة

بعيدا عن الأخبار التي تحدثت عن وجود شبهات كثيرة شابت الامتحان الكتابي لنيل شهادة الاهلية لممارسة مهنة المحاماة لهذه السنة، وفي انتظار بحث رسمي يؤكد أو ينفي تلك الشبهات. سنحاول التطرق من خلال هذا المقال للتصريحات الغريبة للسيد وزير العدل ألمدلى بها خلال استضافته مساء الأحد على القناة الثانية ضمن برنامج “مع الرمضاني”. ونظرا لكمية العبث الكثيرة ضمن كلام الوزير، سنقتصر هنا على ما تطرق له بخصوص العلاقة بين طبيعة تكوين المترشحين من جهة، وطبيعة الأسئلة المدرجة ضمن الامتحان من جهة أخرى، حين صرح حرفيا بأن:

” مشكل العمل القضائي لا يوجد في الامتحان وإنما في العلاقة بين الكلية وسوق العمل.. ما نقرأه في الكلية نظريات وما نمارسه عملي ونحن فيي وزارة العدل والمحامون والقضاة نعطي أسئلة عملية…وإبني قضى أربع سنوات تدريب في مكتبي قبل أن يقدم على الامتحان”.

ما يفهم من كلام الوزير بشكل واضح، أن الإلمام بالمعارف العملية المتعلقة بمهنة المحاماة، يعتبر شرطا محددا من اجل اجتياز الامتحان، وهو ما يدفع للاستنتاج بأن هذا الشرط ينبغي توفره نظريا لدى جميع المترشحين حتى يتحقق مبدأ تكافئ الفرص، الذي بدونه يفقد مفهوم الامتحان كل معانيه. بيد أن السيد الوزير يقر ويوضح بأن التكوين الذي تمنحه كليات القانون لمنتسبيها نظري صرف، مما يعني أن حظوظهم في اجتياز هذا النوع من الامتحانات شبه منعدمة، وبأن وحدهم ممن أتيحت لهم إمكانية التمرن والتعرف مسبقا على الجانب العملي للمهنة لهم حظوظ اوفر للنجاح، كابن الوزير الذي قضى أربع سنوات تمرينا في مكتب والده ضمنت له مكانا ضمن الناجحين.

إقرأ أيضا :  ضبط مخالفات التعمير - موقع القانون والعقار

وعليه فالتوجه نحو تبني امتحان بهذه الصيغة، يظهر وكأنه اختيار واع ومقصود لأقصاء أغلب المترشحين الذين لم يسعفهم القدر أن يولدوا في بيئة قضائية، تكسبهم مهارات عملية لاجتياز الامتحان وهو ما يؤكده الحضور اللافت والمتكرر ضمن لائحة الناجحين لأسامي عائلات معروفة بانتمائها لأسرة القضاء، كاشفا لنا عن نوع من النبوغ الأسري الجيني المتفرد!

كما أن هذا التوجه يعتبر كذلك احتقارا واستخفافا لمبدئ تكافؤ الفرص كمبدئ دستوري تم التأكيد عليه خمس مرات في دستور البلاد، مما ينتج عنه فقدان شباب البلاد الثقة في قواعد الترقي الاجتماعي التي بفقدانها تنطفئ شعلة الأمل. الأمل في المستقبل، في العيش المشترك، في العدالة، في إمكانية الحياة على أرض هذا الوطن بعزة وكرامة. فعندما تتوقف نفس الأسباب… أسباب الاجتهاد والعمل عن بلوغ نفس النتائج… نتائج النجاح وتحقيق الذات، يقتنع الناس بأن الوطن ليس للجميع وأنه غير مرحب بهم، فيضطرون للهروب بأشكال وطرق مختلفة إما بشكل عمودي نحو القاع فينسحقون أو بشكل افقي فيغرقون كما وقع لضحايا أحداث “مير لفت” الأخيرة المحزنة.

للتذكير، تصنف كليات القانون ضمن كليات الاستقطاب المفتوح. نسبة مهمة من منتسبيها يلجؤون إليها كملاذ أخير، بعدما تعدر عليهم ولوج مؤسسات أخرى تعرف شواهدها شيئا من القبول في سوق الشغل. أغلبهم في الحقيقة، يعتبرون ومند بداية مسيرتهم التعليمية ضحايا تفاوتات مدرسية أصلها اجتماعي، اقتصادي، ثقافي ومجالي، لم تنجح جميع السياسات التعليمية والرؤًى والبرامج وكل شعارات التمييز الإيجابي ومدرسة الإنصاف، من استدراك النقص الاولي الذي لازمهم طيلة مسيرتهم الدراسية. بيد أن هذا لا يمنع من وجود جزء منهم أيضا حصل لديه نوع من الأدراك والوعي بطبيعة العلاقات الاجتماعية الحقيقية “مفهوم هامش المناورة عند بيير بورديو” فعملوا على حشد إراداتهم وتحرير انفسهم عن طريق التحصيل والتميز المعرفي، مؤمنين أن مبدأ الاستحقاق سينصفهم ليمنحهم مكانتهم المستحقة داخل المجتمع، ليكتشفوا لاحقا أن هذا المبدأ معطل أغلب الوقت نتيجة للمحسوبية والزبونية والفساد، بل الانكى من ذلك يتم الالتفاف عليه واستعماله من طرف القوى الاجتماعية المهيمنة بهدف التضليل وعكس الحقائق، كما فعل الوزير على نفس البرنامج مشهرا بشابة على قناة عمومية وساخرا من كفاءتها عندما صرح بشكل مشين وصبياني كدكتاتور صغير: “بحال واحد السيدة تاتغوت في الفيسبوك طلبنا الورقة ديالها ولقيناها ساقطة بواحد النقطة… خليها على الله”.

إقرأ أيضا :  الملك محمد السادس يعين الأعضاء الأربعة لهيئة النزاهة والوقاية من الرشوة

وبما أن تواتر السقطات أضحى هواية لوزيرنا الأشوس، حتى صار تجسيدا حيا للقول المأثور من كثر كلامه كثر سقطه. سيحكي لنا خلال نفس الإطلالة أنه في المرحلة الشفوية لامتحان المحاماة، حين ينتهي المترشح من الإجابة عن أسئلة اللجنة يُسأل:

” نتا شنو تيدير باك؟ تيقول قاضي ولا محامي…تنعرفو أو تنحسو بالتكوين عندهم “.

غير أنه لم يوضح لنا هل التعرف على حُسن تكوين هذه الشريحة من المترشحين من قبل اللجنة تبلور قبل أم بعد التعرف على مهنة الأب أم أن المسألة كلها مجرد إحساس!

في فيلم عمارة يعقوبيان المأخوذ من رواية تأخد نفس الاسم للروائي المصري علاء الاسواني، هنالك شخصية لشاب مصري اسمه طه الشاذلي، كان كل حلمه ان يصبح ضابط شرطة. بعد حصوله على شهادة البكلوريا تقدم امام لجنة من الضباط لاجتياز الامتحان الشفوي، فدار الحوار التالي:

– رئيس اللجنة: أنت معدلك جيد يا طه، لماذا فضلت كلية الشرطة على جميع كليات القمة

– الشاب: لأخدم بلدي بافندم

– رئيس اللجنة: طب ماهو خريج الهندسة يمكن يخدم بلده أيضا

إقرأ أيضا :  الخطاب الملكي في ذكرى المسيرة الخضراء

– الشاب: طبعا يافندم، بس لما كل واحد يخدم بلده في الميدان اللي يحبه ستكون خدمته أفضل

– رئيس اللجنة: عظيم.

ثم التفت إلى ملف الترشيح فسأله

هو أبوك بيشتغل إيه يا طه؟

– الشاب: موظف يافندم

– رئيس اللجنة: موظف أو حارس عقار؟

أجاب الشاب مرتبكا وهو ينظر إلى الأسفل

– مهو.. يافند…

وقبل أن يجيب الشاب قاطعه رئيس اللجنة

– شكرا… انصراف… اللي بعده.

انصرف طه، مطأطئ الرأس، ليعود لبية أسرته على سطح العمارة التي يشتغل فيها الأب حارسا، محبطا ومنكسرا.

#امتحان #المحاماة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى