الوكالات الجهوية للتعمير في خدمة الاسثثمار

سعيد السبانيالأربعاء 21 دجنبر 2022 – 13:59

راكمت الوكالات الحضرية، منذ إحداثها خلال عقد الثمانينات إلى الآن (تنزيل مشروع إحداث وكالات التعمير الجهوية)، تجربة كبيرة ومتنوعة في ميدان التعمير وتدبير استعمال الأرض. وقد تميزت المراحل الأولى للتأسيس بتكريس تقاليد إنتاج وثائق التعمير بكل أصنافها، وتطبيق قوانين ومساطر دراسة ملفات إحداث التجزئات والمجموعات السكنية وطلبات رخص البناء. وكان ذلك بمعية جميع المتدخلين المؤسساتيين المعنيين (السلطات الترابية، الجماعات المحلية، المصالح الخارجية للوزارات…).

كما واكبت هذه المؤسسات سيرورة الانتقال من نظام المركزية إلى نظام اللامركزية واللاتمركز. كما صاحبت التحولات المهيكلة التي عرفها المجتمع والتراب الوطني خلال العقدين الأخيرين. وهي التحولات التي مست طبيعة ونوعية الطلب الاقتصادي والاجتماعي على استعمال الأرض في كل تجلياته (السكن – الصناعة – الفلاحة – السياحة – الخدمات….).

وتميزت هذه المرحلة كذلك بانفتاح الوكالات الحضرية، وبمساعدة الإدارة المركزية المكلفة بالتعمير، على المستجدات الدولية التي عرفها ميدان التعمير من خلال استيعاب وإدماج المفاهيم والمناهج الجديدة (المشروع الترابي، المشروع الحضري، التنمية المستدامة، التنافسية الترابية، المرونة الترابية résilience territorial….). وقد ساعد ذلك الوكالات الحضرية في مواكبة المشاريع الكبرى للدولة والحكومات المتعاقبة، خاصة في ميادين التأهيل الحضري وبرنامج القضاء على السكن غير اللائق وإنتاج السكن الاجتماعي وكذا المشاريع الاقتصادية الكبرى. وساهمت أيضا في الحفاض على البيئة وصيانة الموروث الثقافي والمعماري للوطن. كما أبانت هذه المؤسسات عن احترافية متقدمة في تنزيل مشروع الإدارة الرقمية التي اتضحت معالمها خلال جائحة كورونا. ولا يجب إغفال دورها الكبير في تكوين نخبة من خيرة الكفاءات الوطنية والتي يستفاد من خبرتها سواء داخل الإدارات العمومية الأخرى أو بالقطاع الخاص.

إقرأ أيضا :  مجلس المستشارين يوافق بالأغلبية على اتفاقيتين مع إسرائيل.. ونقابات تعترض

لكن، ورغم التراكم الكبير والمهم الذي حققته هذه الوكالات الحضرية في مختلف الميادين السالفة الذكر أعلاه، فإنها لم تتموقع بالشكل الذي يتيحه لها رأسمالها المعرفي والعملي المتنوع savoir-faire) ( الذي حققته منذ إحداثها. وتكون فاعل أساسي ومحوري في تنزيل مشروع الدولة والحكومة الاستراتيجي المتمثل في تشجيع الاستثمار وإنتاج الثروة. ويعزى ذلك أساسا إلى طغيان التأويل الشكلي للقوانين المعمول بها والاقتصار على المقاربة “التقنية” (techniciste) المعتمدة في إعداد ودراسة المشاريع من طرفها. مما جعل، مع الأسف، تعاطي هذه المؤسسات مع الديناميات المجتمعية والاقتصادية والترابية يكتسيه نوع من “المحافظة” conservatisme)) عوض تبني مقاربة تفاعلية واستباقية لتلك الديناميات.

لذا، فإن الإصلاح المؤسساتي، الذي تشرف عليه حاليا الوزارة الوصية على قطاع التعمير، والذي يروم الانتقال إلى وكالات جهوية للتعمير، وإلزامية مواكبتها للدولة وللحكومة وللجماعات الترابية في استقطاب وتشجيع الاستثمار لخلق فرص الشغل، هو مناسبة لهذه الوكالات لإعادة تعريف مهامها وتبنيها لتأويل جديد لأدوات اشتغالها (تجاوز القراءة الشكلية للقانون واستثمار الإمكانيات والموارد التي تتيحها الأنظمة والقواعد المعمول بها).

إقرأ أيضا :  تمديد فرض "الفيزا" على المغاربة.. ألباريس ينقل مطالب سبتة إلى الرباط‎‎

كما يتطلب ذلك التجديد في طرق إعداد ومعالجة المشاريع التي تشرف عليها (المشاريع الترابية، وثائق التعمير، إحداث التجزئات وطلبات رخص البناء…). والغاية أن تصبح أولوية هذه المؤسسات هي توفير شروط مثلى لتسهيل عملية الاستثمار لإنتاج الثروة من خلال إشراك المنتجين لها في اتخاد القرار من جهة، والاستجابة للطلب على انتاج العقار المهيأ (foncier équipé) لتلبية حاجيات الأنشطة الاقتصادية والسكن والمرافق والمجال العام (espace public) مع تحصين المكتسبات المتراكمة من جهة أخرى.

إن تبني حكامة ترابية منفتحة ومتجددة، عمادها الرؤية الاستشرافية والحس الترابي والانصات والاشراك والتفاوض (urbanisme participatif urbanisme négocié)، في إطار شراكة كاملة مع جميع المتدخلين في الميدان، خاصة مع السلطات والجماعات الترابية والمراكز الجهوية للاستثمار والمصالح الوزارية الجهوية وكذا مع الهيئات المهنية المعنية، سيجعل مهمة وكالات التعمير الجهوية أكثر يسرا ورأيها أكثر قبولا من طرف مختلف الفاعلين المعنيين بتدخلاتها وكذا من طرف المجتمع.

#الوكالات #الجهوية #للتعمير #في #خدمة #الاسثثمار

زر الذهاب إلى الأعلى