أدخل بريدك الإلكتروني لتتوصل بكل جديد على الموقع بما فيها كتب وجوائز مجانية

المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون 17.95

 ذ. هشام أزكاغ المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون 17.95

 ذ. هشام أزكاغ

  • دكتور في الحقوق
  • حاصل على الأهلية لمزاولة مهنة المحاماة

المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون 17.95

المسؤولية الجنائية لمراقب الحسابات في قانون17.95

 تقديم:

اقتضت أهمية شركات المساهمة إنشاء جهاز لرقابة الأعمال و الحسابات حماية للشركة و المساهمين أنفسهم الذين يتعذر عليهم ممارسة الرقابة بصورة جدية، حيث يحول تعقد المسائل الحسابية دون إمكانية قيامهم بفحص حسابات الشركة، من هنا جاء إحداث مؤسسة مراقبي الحسابات[1] للسهر على مراقبة حسابات الشركة و إمداد المساهمين بالمعلومات اللازمة و كذا تمكينهم من الاطلاع على وضعية الشركة[2].

وقد نظم المشرع المغربي مهنة الخبرة المحاسبية تنظيما خاصا بموجب ظهير 08 يناير 1993، حيث حدد هذا الأخير الشروط الواجب توافرها في الشخص لكي يزاول مهنة خبير محاسبي[3]، وبالرجوع إلى المادة الأولى من هذا الظهير يتضح أن من بين المهام التي يقوم بها الخبراء المحاسبين نجد مهمة مراقبة حسابات الشركة.

وحسب المادة 159 من قانون شركات المساهمة استوجب  المشرع المغربي في فقرته الأولى ضرورة تعيين في كل شركة مساهمة مراقب أو مراقبين للحسابات، كما يحق لكل مساهم[4] أو عدة مساهمين يمثلون ما لا يقل عن 10 % من رأسمال الشركة أن يتقدموا بطلب إلى رئيس المحكمة التجارية بصفته قاضيا للأمور المستعجلة من أجل تعيين خبير أو عدة خبراء، وهو الأمر الذي كرسه الاجتهاد القضائي المغربي في إحدى القرارات[5] الصادرة عن محكمة النقض “المجلس الأعلى سابقا” بتاريخ 21 يوليوز 1999، إذ جاء في حيثياته: ” حيث إن الطلب الرامي إلى تعيين خبير لمعاينة حسابات الشركة لا يخرج من نطاق اختصاص قاضي الأمور المستعجلة طالما أنه إجراء وقتي و لا يمس حقوق المساهمين في التركة بل الغاية منها التثبت في حالتها و إجراء تحقيق عليها بعد النزاع الذي نشب بين المساهمين، و أن استصدار أمر استعجالي بانتداب خبير مكلف للقيام بهذا الإجراء ليس فيه ما يخالف النصوص القانونية المنظمة لكيفية إطلاع المساهم على حسابات الشركة، وأن هذا الإجراء لا يهدف إلى إجراء المحاسبة التي يرجع اختصاص البث فيها إلى  قضاة الموضوع، وإنما هو إجراء وقتي تفرضه طبيعة النزاع القائم بين الطرفين، و يحق للمساهم حق مراقبة أعمال الشركة “.

و يعهد لهؤلاء المراقبين المحاسبين مهمة مراقبة و تتبع حسابات الشركة، وما يجب التأكيد عليه هو أن القانون رقم 20.05 المعدل و المتمم للقانون 17.95 جاء ليدعم دور مراقبي الحسابات ويطبعه بفعالية أكبر، خاصة بالنسبة للشركات التي تدعو الجمهور للاكتتاب في أسهمها، وقد استهدف المشرع المغربي من خلال مقتضى المادة أعلاه، جعل مراقبي الحسابات أداة للمراقبة من خارج الشركة قصد التصدي لمختلف الممارسات غير القانونية التي قد تكون على مستوى التسيير، وذلك من أجل خلق المناخ المناسب القادر على جلب الاستثمارات الوطنية و الأجنبية [6]، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا كانت السياسة الجنائية المرتبطة بالشركة محكومة بشروط و ضوابط تناسب مجال سوق الأعمال وما يميزها من خصوصيات[7].

وإذا كان مراقب الحسابات يضطلع بدور مهم في التصدي لجميع الممارسات الاحتيالية التي قد يقوم بها مسيرو الشركة، فإنه هو الآخر لم يسلم من إمكانية مساءلته جنائيا بموجب النصوص الزجرية المضمنة في قانون شركات المساهمة، إذ احتوى القسم الرابع عشر في بابه السادس على مجموعة من المقتضيات المتعلقة بالمخالفات التي قد يرتكبها مراقبو حسابات الشركة ، و قبل الحديث عن هذه المخالفات (المطلب الثاني) يمكننا أن نتطرق لدور مراقب الحسابات في الكشف عن الجرائم داخل الشركة (المطلب الأول).

المطلب الأول: دور مراقب الحسابات في الكشف عن الجرائم داخل الشركة

أضحى مراقب الحسابات بمقتضى قانون شركات المساهمة[8] جهازا فعالا بفضل الضمانات التي خولها له هذا القانون، إذ لم يعد يقتصر دوره في المهام التقنية فقط، والمتمثلة في مراقبة الحسابات، بل إن التطورات الاقتصادية والسياسية فرضت ضرورة منح مراقب الحسابات دورا هاما بهدف مراقبة مدى مشروعية الأفعال و التصرفات التي تتم داخل الشركة، والتبليغ عنها في حالة ما إذا اكتست هذه الأفعال الصبغة الجرمية[9].

وبهذا فإن مراقب الحسابات يلعب دورا أساسيا في اكتشاف الأفعال الجرمية المرتكبة داخل شركة المساهمة من خلال إلزامه وفق ما جاء به المشرع المغربي في المادة 405 من قانون 17.95 بضرورة تبليغه لتلك الأفعال للجهاز الإداري للشركة، مما يمكن اعتباره بمثابة الدركي الساهر على كل الأعمال التي تقوم بها الشركة، غير أن هذا الدور قد لا يتحقق في ظل المعيقات التي تطرحها المادة السالفة الذكر، و لنا موقف على هذه الأخيرة سوف نوضحه فيما سيأتي.

و عليه فإن دراسة إلزامية مراقب الحسابات بالتبليغ عن الجرائم المقترفة داخل الشركة تحت طائلة مساءلته جنائيا يستوجب منا الوقوف بداية عند موقف المشرع المغربي بهذا الخصوص (الفقرة الأولى)، على أن نتطرق فيما بعد لنظرة  التشريع الفرنسي (الفقرة الثانية) .

مقال قد يهمك أيضا المسؤولية الجنائية في حوادث السير

الفقرة الأولى: مكانة مراقب الحسابات في التشريع المغربي

يلعب مراقب الحسابات دورا مهما في ضبط أعمال الشركة من خلال المهام المسندة إليه، والتي تجعل منه بلا شك حارسا أمينا يضمن نزاهة التصرفات و المعاملات المنجزة داخل الشركة، باعتباره الخبير المطلع على أسرار وخبايا الشركة [10].

ولتحقق كل هذا فإن المشرع المغربي، حاول منح مراقب الحسابات مجموعة من الصلاحيات، التي تخوله القيام بدوره الرقابي على عمليات الشركة المتمثل في فحص و تدقيق حسابات الشركة، وكذا إحاطة علم مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة الجماعية و مجلس الرقابة بكل الأفعال والخروقات التي يتم اكتشافها داخل الشركة قصد التصدي لكل الممارسات المنافية للقانون، وهذا هو ما كرسته المادة 169[11] من قانون شركات المساهمة ، حيث أكد من خلالها المشرع المغربي في بندها 5 على أن مراقب الحسابات يجب عليه إعلام مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة الجماعية و مجلس الرقابة بكل الأفعال التي بلغت إلى علمه أثناء مزاولة مهامه، وبدا له أنها تكتسي صبغة جرمية تحت إمكانية مساءلته جنائيا[12].

ويعتبر هذا من بين المستجدات التي جاء بها المشرع المغربي من خلال القانون رقم 20.05 المعدل و المتمم لقانون شركات المساهمة في بابه السادس الخاص بالمخالفات المتعلقة بمراقبة الشركة[13]، هذا بخلاف ما نص عليه مشروع ق.ش.م في صيغته الأصلية، حيث تبنى مبدأ إلزام مراقب الحسابات بإبلاغ النيابة العامة عن جرائم الشركات، ولفهم أسباب هذا التراجع فإنه لا بد من الرجوع إلى ما راج بقبة البرلمان، ونذكر في هذا الباب أن السيد وزير الخوصصة آنذاك اعتبر أن مهنة مراقب الحسابات هي مهنة خطيرة لما تتضمنه من مسؤوليات وتبعات، وأكد أن إلزام هذا الأخير بمهمة إخبار النيابة العامة بالجرائم المكتشفة من قبله أسندت له حتى يتمكن من إبلاغ النيابة العامة بكل جريمة دون إعطاءها أي تكييف قانوني، وذلك حتى يتسنى للقضاء القيام بدوره ، غير أنه سرعان ما تم التراجع من قبل البرلمان عن مقترح تدعيم آلية كشف مراقب الحسابات عن الجرائم المكتشفة من طرفه داخل الشركة من خلال إبلاغه النيابة العامة، و يمكن تبرير هذا التراجع بعدة مبررات، من بينها تعارض هذا المقتضى مع مصالح رجال الأعمال، فهذه الفئة تتمتع بتمثيلية مهمة داخل البرلمان [14].

كما يمكن أيضا تبرير عدم تطبيق مبدأ مساءلة مراقب الحسابات جنائيا بسبب عدم إخباره النيابة العامة عن الخروقات المكتشفة من قبله داخل الشركة على أنه من غير المستبعد أن يكون هذا ناتج عن ضغط هيئة المحاسبين التي لم ترغب أن تثقل كاهل مراقب الحسابات بمهام قد تكون لها آثار سلبية على المستقبل المهني لمراقبي الحسابات، كالتردد في تعيين مراقب حسابات سبق له أن قام بتبليغ النيابة العامة عن أفعال جرمية بشركة كان معينا بها بصفته مراقبا للحسابات[15].

ويرى الأستاذ أحمد شكري السباعي بأن قيام مراقب الحسابات بتبليغ النيابة العامة مباشرة بمناسبة اكتشافه للأفعال المرتكبة داخل الشركة يجعله في وضعية صعبة، ذلك أنه يعد بمثابة مدافع عن مصالح المساهمين، و ليس مساعدا للسلطة القضائية [16].

وفي اعتقادنا نرى أن عدم إسناد المشرع المغربي لمراقب الحسابات إمكانية التبليغ عن الأفعال والتصرفات الغير المشروعة المرتكبة داخل الشركة ، و اقتصاره على تبليغ الجهاز الإداري، يترتب عنه ضعف الدور الرقابي لهذا المراقب، فالأمر يتطلب منح الاستقلالية التامة لمراقب الحسابات في التبليغ عن الأفعال المرتكبة إلى جهاز النيابة العامة، و ليس بجعله رهينا بتبليغ الجهاز الإداري للشركة، لأن هذا الأخير قد يكون نفسه محل المساءلة الجنائية مما يستوجب تحريك و رفع الدعوى ، إلا أنه ما يثير الانتباه هنا هو كيف يعقل أن يكون الجهاز الإداري للشركة قد قام بخرق قانوني و كونه يكتسي طبيعة جرمية و يقدم هذا الجهاز بالتبليغ عن نفسه ؟ ، و لهذا فإن عدم تفعيل آلية الكشف عن الجريمة المرتكبة داخل الشركة من شأنه أن يؤدي إلى عدم نجاعة وتفعيل النصوص المضمنة بقانون شركات المساهمة[17].

الفقرة الثانية: مكانة مراقب الحسابات في التشريع الفرنسي

يختلف المشرع الفرنسي عن نظيره المغربي في تحديد الجهة الواجب تبليغها من طرف مراقب الحسابات في حالة اكتشاف هذا الأخير لأفعال ذات صبغة جرمية داخل الشركة، و عليه فإذا كان المشرع المغربي قد اكتفى بضرورة إبلاغ مراقب الحسابات لأجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير نتيجة اكتشافه لخروقات وأفعال ذات صبغة جرمية، فإن المشرع الفرنسي[18] له توجه مغاير تماما، إذ ألزم مراقب الحسابات بضرورة تبليغ وكيل الجمهورية أي جهاز النيابة العامة كسلطة قضائية بالأفعال الجرمية، التي يتم اكتشافها أثناء مزاولة مهامه، و إذا كان المشرع المغربي قد أكد في المادة 169 في بندها الخامس من قانون 17.95 على أنه : ” يحيط مراقب أو مراقبو الحسابات مجلس الإدارة أو مجلس الإدارة الجماعية ومجلس الرقابة علما كلما تطلب الأمر ذلك : … 5 – كل الأفعال التي بلغت إلى علمهم أثناء مزاولة مهامهم و بدا لهم أنها تكتسي صبغة جرمية “، فهذا النص مأخوذ من المادة 233 من مدونة التجارة الفرنسية الصادرة بتاريخ 24/07/1966، والذي نص على أنه : “…علاوة على ذلك يبلغ للنائب العام للجمهورية الأفعال الإجرامية التي يعلم بها دون إمكانية إثارة مسؤوليته من جراء هذا التبليغ “، و بناء عليه فإن الفرق الجوهري بين هذين التشريعين يتمثل في الجهة التي يتحتم على مراقب الحسابات تبليغها في حالة اكتشافه لأفعال ذات صبغة جرمية داخل الشركة، و لا شك أن هذا الاختلاف تترتب عنه نتائج و آثار متباينة [19].

و لقد أثار إلزام المشرع الفرنسي مراقب الحسابات بتبليغ النيابة العامة ردود فعل مختلفة لدى الفقه الفرنسي، بين مؤيد و معارض لهذا الإلزام ،و قد استند الاتجاه الرافض[20] إلى أن المشرع الفرنسي ألقى على عاتق مراقب الحسابات عبء القيام بدور الواشي داخل الشركة، بحيث يمكن لهذا الأخير  وهو الذي ينتمي إلى مهنة حرة  أن ينحرف عن دوره المتمثل في مراقبة حسابات الشركة إلى دور رجل الشرطة، كما اعتبر هذا الاتجاه أن تكليف مراقب الحسابات بالإبلاغ عن الجرائم المكتشفة من قبله تحت طائلة العقاب الجنائي هو أمر يؤدي إلى عدم استقلاليته، حيث يجعل مراقب الحسابات يبتعد عن مهامه الأساسية بسبب انشغاله بمراقبة تصرفات المسيرين، هذا فضلا عن أنه قد يعرض سمعة الشركة ومسيريها للمخاطرة بمجرد بعض الشكوك ،كما يسيء إلى علاقات المراقب بالمديرين وأعضاء الجهاز الإداري للشركة.

و في المقابل فقد رأى الاتجاه المؤيد[21] لتوجه المشرع الفرنسي إلى اعتبار أن تكليف مراقب الحسابات  بمهمة إبلاغ النيابة العامة يوفر الحماية الحقيقية للادخار العمومي، و هذا من شأنه أن يخضع الشركات لمراقبة صارمة و ناجعة تحيط المستثمر و الغير المتعامل مع الشركة بالضمانات اللازمة، فهذا الإلزام أفضل ضمان يمكن أن يمنح للمساهمين و يبرهن على جودة عمليات المراقبة، إضافة إلى أن مراقب الحسابات هو المرشح الأول لضبط الخروقات أكثر من أي جهاز آخر .

كما أكد هذا الاتجاه أن الالتزام المذكور من شأنه أن يكرس استقلالية مراقب الحسابات في مواجهة أعضاء الجهاز الإداري للشركة، و من شأنه كذلك تقوية سلطاته، و لعل هذا الواجب الملقى على عاتق مراقب الحسابات يمكنه من اكتشاف الانحرافات و التصرفات الخطيرة داخل الشركة مما يستلزم التدخل الفوري لإيقافها، و بهذا تعد هذه المهمة الملقاة على عاتق مراقب الحسابات الوسيلة الفعالة لكشف الجرائم في أقرب الأوقات، و التي غالبا ما تبقى مستورة وخفية في حالة ما إذا تم تجريد مراقب الحسابات  من هذا الالتزام[22].

و في اعتقادنا أن المشرع الفرنسي يكون قد رغب من خلال إلزام مراقب الحسابات بالإبلاغ عن الأفعال الجرمية المرتكبة داخل الشركة إلى النيابة العامة تفعيل النصوص الزجرية المضمنة بقانون الشركات، وكذا رغبة منه في تفادي وتجنب التواطؤ الذي يمكن أن يكون بين أعضاء الجهاز الإداري للشركة ومراقب الحسابات، وكذا تمتيع مراقب الحسابات بسلطة كافية قصد تمكينه من  ممارسة مهامه على أحسن وجه، كما أنه يعتبر الجهاز الوحيد و الأقرب لضبط الخروقات التي تحدث داخل الشركات، زيادة على أن الطبيعة التقنية لجرائم الشركات لا يمكن اكتشافها من طرف الشرطة القضائية، حيث يستلزم الأمر مراقبة دقيقة باعتبار أنها تتعلق في الغالب بالمسائل الحسابية التقنية، وهذا الدور لا يمكن أن يقوم به إلا مراقب الحسابات .

1 2الصفحة التالية
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock