الغرب كما يريدنا.. من صدى الملاعب

أحمد العكيديالإثنين 19 دجنبر 2022 – 23:34

ظاهريا، كرة القدم مجرد لعبة، وهذه حقيقة. على الأرض، تتشابك بين أفراحها وأتراحها السياسة والاجتماع والثقافة والتاريخ وأمور أخرى، وهذه حقيقة أيضا. بين اللعبة وامتداداتها المتشعبة تنفضح النوايا وينكشف المستور، وهذا ما كان بارزا في النسخة الحالية من المونديال.

لسنا هنا نقارب موضوعا متشعبا، كما هو معلن في العنوان، بلعبة كرة القدم؛ لكننا نبتغي من وراء ذلك التقاط إشارات دالة على العلاقة المتوترة بين الغرب والآخر، الممثل هنا بالعلم العربي الإسلامي والأمر نفسه ينطبق على إفريقيا. لنقذف الكرة، إذن، في الملعب وننصت إلى تردداتها في الفضاء الخارجي.

كان لافتا، منذ البداية، محاولة الغرب استغلال الحدث العالمي للتبشير بنماذجه المنسلخة عن طبيعتها الإنسانية وفطرتها، حسب قيمنا وأعرفنا، وحرية الفرد في جسده، كما يزعمون، ومحاولة إلزام المضيف العربي المسلم بها وكأنه مجرد مقيم عابر وليس صاحب بلد أصيل.

ما كانت الأمور لتزداد انكشافا لولا صعود المنتخب المغربي إلى أدوار متقدمة وإصراره على الاحتفال بعد كل فوز بما يتناسب مع ثقافته؛ السجود شكرا لله ورفع العلم الفلسطيني، في إشارة رمزية قوية إلى حضور هذه القضية في وجدان أي إنسان عربي مسلم، حتى ولو ترعرع في بلد غربي…

احتفالات الشعوب العربية والإسلامية وصلواتهم ودعواتهم للمنتخب المغربي بالفوز حملت في طياتها صرخة في وجه هذا الغرب؛ لعله يدرك أن العالم ليس ملكا له وأن ثقافته لا تغدو كونها رافدا من روافد الثقافة الإنسانية. كما أنها شكلت أملا، وإن كان من نافذة الرياضة، لشعوب الهامش للانفكاك من مخالب بؤس للغرب يد فيه. ورسالة رسمتها دولة يصنفها الغرب، في خانة التخلف، فحواها: يمكننا أن ننتصر، إذا توفر فينا التفاني والإخلاص وحب الأوطان، ولعل حكامة المدرب المغربي وليد الركراكي نموذجا للدرس والتحليل. الرسالة وصلت والجواب كان حاضرا في شخص الرئيس الفرنسي في نصف النهاية، في إشارة قوية مفادها: الغرب المستعمر سينتصر ولا مجال لغير ذلك. ولنا أدلة أخرى في تصريحات إعلامية وصفت اللقاء الكروي بأنه حدث يتخطى اللعبة لينتقم من التاريخ. لن نضيف شيئا ما عدا إلغاء بعض الرحلات الجوية للمشجعين المغاربة في اتجاه دولة قطر والبقية يعرفها الجميع.

إقرأ أيضا :  تاريخ الأزمات بين المغرب وفرنسا .. أحداث وصراعات قبل "حرب التأشيرات"

هي أمثلة، بعضها وليس كلها، من اللعبة كشفت عن جزء من حقائق غرب يتغنى علنا بالديمقراطية وحقوق الإنسان والتقدم، وفي الخفاء يحارب الآخر المختلف عنه شكلا وثقافة ولا يتوانى في استخدام ترسانته الإعلامية ووسائل ضغطه لإخضاعنا لإرادته. يريدنا الغرب أن نكون نسخة ممسوخة عنه بدون إرادة ولا رأي، مجرد ظل له، أجساد لا روح فيها، يستخدمها متى شاء وكيفما شاء. ينهب ثرواتنا ويسلبنا خيرة أبنائنا ويتبجح بقوته وعجزنا.

لكن الطبيعة تحب التنوع وتأبى إلا أن تذكره بأنه ليس وحده على هذه البسيطة وثقافته، رغم كل ما قدمته للإنسانية، انحرفت به وباتت تصير به نحو الانحلال والاضمحلال ليترك مكانه لثقافات أخرى متصالحة مع الطبيعة وفطرة الوجود. هي، إذن، لعبة فيها هزل وجد وأشياء أخرى.

#الغرب #كما #يريدنا. #من #صدى #الملاعب

زر الذهاب إلى الأعلى