العدالة الانتقالية بالمغرب: قراءة لسبل الانفراج السياسي

ذ
العدالة الانتقالية بالمغرب: قراءة لسبل الانفراج السياسي

العدالة الانتقالية بالمغرب: قراءة لسبل الانفراج السياسي

العدالة الانتقالية بالمغرب: قراءة لسبل الانفراج السياسي

يونس شهيم طالب باحث ماستر الأداء السياسي والمؤسساتي
إشراف: الدكتور طه الحميداني  

ملخص تنفيذي:

خطا المغرب خطوات هامة في المسألة المتعلقة بحقوق الإنسان منذ اعتلاء الملك محمد السادس العرش، تمثلت هذه الخطوات بالأساس في عزم البلد على الطي النهائي لملف الانتهاكات التي عرفها المغرب إبان حكم الملك الراحل الحسن الثاني، لأجل ذلك عمل النظام على إحداث مجموعة من الآليات وتبني تدابير مختلفة توخت في مجملها تحقيق العدالة الانتقالية والقطع مع الماضي، مستفيدة من تجارب دولية مختلفة مع الحرص على صياغة نموذج مغربي خاص يراعي الخصوصية والسياق المغربيين.

معلوم أن أهم أهداف “العدالة الانتقالية” يتمثل في تلك الضمانات التي توفرها هذه الآلية بغرض عدم تكرار الانتهاكات والخروقات في المستقبل، وإلا ستذهب كل الجهود المبذولة لطي صفحة الماضي سدى، وستختل معها العلاقة بين الحاكم والمحكوم بفقدان الثقة والضرب في مصداقية المؤسسات.

من هذا المنطلق نتساءل إلى أي حد يمكن القول أن المغرب قد تصالح فعلا مع ماضيه الحقوقي “الأسود”؟ وما هي الآليات التي اعتمدها في تحقيق تلك المصالحة؟ وهل استطاعت تلك الآليات أن تشكل ضمانات لعدم تكرار ما وقع من انتهاكات حقوقية؟ وباستحضار الأحداث التي تلت مرحلة الإنصاف والمصالحة (حركة 20 فبراير، أحداث الريف…) فهل يمكن القول أن المغرب عرف ردة حقوقية؟ أم أن تعامل الدولة مع تلك الأحداث له ما يبرره من جوانب قانونية تعفي الدولة من المسؤولية؟    

المنهجية المعتمدة:

إن أقوى إكراه يواجه الباحث، هو مسألة الموضوعية، ودراسة الأحداث بشكل حيادي، ويتعاظم هذا الإكراه ويستشكل أكثر كلما تعلق الأمر بالبحث في العلوم الاجتماعية عموما، ولا سيما مجال السياسة. وهكذا فقد حاولنا معالجة الإشكالية وما يتفرع عنها من أسئلة وفرضيات باعتماد مقاربة تحليلية تركيبية، من خلال توظيف المنهج التاريخي في تطرقنا للمسار المعتمد في طي صفحة الماضي بدءا من إحداث المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ثم إحداث هيئة التحكيم المستقلة، وانتهاء بتشكيل هيئة الإنصاف والمصالحة، هذه المؤسسات التي تتطلب منا التطرق إلى وظائفها الشيء الذي يدعونا إلى الاستعانة بالمنهج الوظيفي، كما أننا استعنا أيضا بالمنهج المقارن في تعرضنا لبعض التجارب الدولية في مجال العدالة الانتقالية.

تقديم:

تعد الإشارة الصريحة إلى أدوات العدالة الانتقالية في سياق صنع السلام والعدالة أمرا مبتكرا، وهذه إحدى أقوى العلامات على اهتمام يتزايد بسرعة بالدور الذي يمكن لهذه الآليات أن تلعبه في المراحل الانتقالية[1]. وفي هذا الصدد يطرح السؤال: هل ينبغي تقديم المتورطون في خروقات حقوق الإنسان إلى العدالة قصد محاكمتهم والاقتصاص منهم بتطبيق العقوبات عليهم؟ أم أن الأفضل لأي نظام سياسي أن يعمل على البناء وإعادة الإحياء متجاهلا الماضي وأن يعفو عما سلف؟

إقرأ أيضا :  بعد تسونامي الذي عرفه موقع فايسبوك اختراق 50 مليون حساب على فيسبوك.. إليك نصائح لتحمي نفسك من الإختراق وأهم الضمانات التي على فايسبوك إذا تم اختراق حسابك تعرف عليها.

يصرح فيدار هيلجيسين[2] أنه في بعض الظروف يمكن لآليات العدالة التقليدية أن تكون مكملا للأنظمة القضائية التقليدية، وأن تمثل خيارا محتملا حقيقيا لتعزيز العدالة والمصالحة وثقافة الديمقراطية. ويضيف أنه حتى الأوضاع التي تكون فيها المجتمعات المحلية أكثر ميلا للمطالبة بالقصاص الصريح والمباشر من المرتكبين، فإن آليات العدالة التقليدية يمكن أن توفر طريقة لاستعادة شعور بوجود المساءلة وربط العدالة بالتطور الديمقراطي.

في المغرب، يمكن النظر إلى عملية العدالة الانتقالية على أنها قد خلقت بيئة، بمعنى مساحة عامة أكثر حرية، تسمح للمجتمع المغربي بالنقاش حول مستقبله، بما في ذلك الوقوف على الخطوات الإضافية التي يحتاج إليها لتعزيز حقوق الإنسان وتحقيق الأهداف السياسية[3].

ثمت قضية أخرى ربما يجب الإشارة إليها هي خلق سردية جديدة لتاريخ البلد، بدأ ذلك في المغرب أثناء عمل هيئة الإنصاف والمصالحة، وكان علامة على انتهاء “مؤامرة الصمت”[4]. هذه الهيئة التي أحدثت بغرض الطي النهائي لماضي الانتهاكات الحقوقية حيث جاء في خطاب العاهل المغربي محمد السادس بمناسبة تنصيبها: “…ها نحن اليوم بتنصيب لجنة الإنصاف والمصالحة، نضع اللبنة الأخيرة للطي النهائي لملف شائك، ضمن مسار انطلق منذ بداية التسعينات، والذي شكل ترسيخه أول ما اتخذناه من قرارات، غداة اعتلائنا العرش، ومع استحضار اختلاف التجارب الدولية.

في هذا المجال، فإن المغرب قد أقدم بحكمة وشجاعة على ابتكار نموذجه الخاص، الذي جعله يحقق مكاسب مهمة، في نطاق استمرارية نظامه الملكي الدستوري الديمقراطي، الضامن لحرمة الدولة والمؤسسات وحريات الإنسان وكرامته….”[5]

إن الحديث عن مفهوم العدالة الانتقالية يحيل بالضرورة إلى تلك الضمانات التي تمنحها هذه الآلية والتي تحول دون اقتراف مزيد من جرائم حقوق الإنسان، كما أن أهم أهداف هذه الآلية أن يتم التحقيق في هذه الجرائم في حالة ارتكابها وتحديد المسؤوليات وربط المسؤولية بالمحاسبة، ومنح تعويضات للضحايا قصد جبر الأضرار، والعمل على تحقيق المصالحة الفردية والجماعية.

كما أن اقتران هذا المفهوم بقضايا الاختفاء القسري والتعذيب والاعتقال السياسي جعله يأخذ بعدا دوليا باعتبار مجموع هذه القضايا تحظى باهتمام مجموعة من المنظمات الدولية سواء الحكومية منها أو غير الحكومية.

وفي سياق هذا الضغط الدولي و المحلي، باشرت السلطة السياسية في المغرب إفراز شروط جديدة، تتوخى التصفية التدريجية لملف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان الذي شكل نقطة سوداء في مسيرة النظام السياسي المغربي لسنوات طويلة، وذلك عبر سلسلة من الإجراءات والتدابير اتخذت في اتجاهات مختلفة ومتوازية، ويبقى الجانب الأكثر بروزا في هذه الإجراءات كلها هو بناء الأجهزة والمؤسسات التي تمت وفق استراتيجية محددة، فكان على التوالي تأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان سنة 1990، وخلق وزارة مكلفة بحقوق الإنسان سنة 1993، وإحداث مؤسسة ديوان المظالم سنة 2001، وصولا إلى إنشاء هيئة الإنصاف والمصالحة في نوفمبر 2003 كآلية من آليات العدالة الانتقالية تروم تصفية تركة الماضي من الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان[6].

إقرأ أيضا :  جميع قوانين وتشريعات دولة قطر

غير أن السجون المغربية اليوم لازالت تضم 500 “معتقل سياسي”، حسب ما صرح به رئيس الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، منهم معتقلو حراك الريف وحراك جرادة ونقابيون ومغنو راب ومدونون وصحفيون[7].

المطلب الأول: الحالة الحقوقية المغربية قبل “الإنصاف والمصالحة”

راكم المغرب منذ الاستقلال إلى وفاة الراحل الملك الحسن الثاني ملفات جسيمة تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان تجلت في حالات الاختفاء القسري والاعتقال السياسي شهدت عليها مجموعة من المعتقلات السرية مثل تزممارت وغيرها (الفقرة الأولى)، الشيء الذي دفع المغرب إلى تبني مجموعة من الآليات والتدابير تصحيحية، في مرحلة لاحقة، قصد الطي النهائي للملفات العالقة وتحقيق الانفراج السياسي (الفقرة الثانية).

Advertisement
  1. الفقرة الأولى: مظاهر وتجليات انتهاكات حقوق الإنسان خلال الفترة الممتدة من الاستقلال إلى وفاة الملك الحسن الثاني

لقد كان الصراع في البداية ومباشرة بعد الاستقلال، صراعا سياسيا محضا بين كل من المؤسسة الملكية آنذاك، والتي كانت تسعى لإرساء دعائم الدولة الحديثة كما تراها، وبين الحركة الوطنية وخاصة تلك المتأثرة بالأيديولوجية اليسارية، والتي كانت تطمح بدورها إلى خلق نظام للحكم يتلاءم وأفكارها المتعارضة في بعض الأحيان مع المصالح المادية والتوجهات الأيديولوجية الإسلامية للمؤسسة الملكية، حيث لم يكن الملك رئيس دولة حديثة وحسب، بل كان في نفس الوقت سلطان البلاد وأمير المؤمنين[8].

إقرأ أيضا : اللاتمركز الإداري كدعم للامركزية الإدارية

وهكذا شهد المغرب خلال تلك الفترة توترا كبيرا، وبحلول عام 1973 كانت قد توفرت جميع مقومات الانتهاكات الواسعة النطاق، تجريم الرأي السياسي، الاعتقال دون إذن قضائي، الاحتجاز دون سبب، التمديد بلا حدود الفترة التي يقضيها الفرد قيد الاعتقال تحت الحراسة النظرية، وإنشاء السجون السرية، وترسيخ ممارسة التعذيب[9]، خاصة بعد المحاولتين الفاشلتين لقلب نظام الحكم سنتي 1971 و1972، والتي كان من نتيجتهما حملات اعتقال واسعة النطاق، ومحاكمات عسكرية، وإعدام الذين قيل إنهم شاركوا فيهما[10].

إقرأ أيضا :  إعادة النظر في الالتزامات المرهقة"

وفي سنة 1973 نقل حوالي 58 من أفراد القوات المسلحة المحكوم عليهم بالسجن مددا متفاوتة إلى معتقل تازمامارت السري وأدت أحوال المعتقل الذي سجنوا فيه إلى معاناة طويلة مات بسببها البعض موتا بطيئا، وكانت المحاكمات تجري بصورة جماعية في معظم الحالات، بل وصورية، وأنزلت السلطات عقوبات على نطاق واسع.

على العموم، حصيلة المغرب من الانتهاكات الحقوقية اتخذت أشكالا متعددة من اعتقال تعسفي، وتعذيب، وإعدام خارج نطاق القانون والقضاء، واختفاء قسري وغيره، كما شهدت على هذه الانتهاكات مجموعة من المعتقلات السرية مثل تازمامارت، وأكدز، وقلعة مكونة، ودار المقري، ودرب مولاي الشريف، كما تم تسخير المساكن الخاصة المعزولة والفيلات لغرض الاعتقال السري والاختطاف القسري.

  • الفقرة الثانية: مساعي الدولة لحلحلة الملفات العالقة ومظاهر الانفراج السياسي

شهد العقدان الأخيران من القرن العشرين انطلاق دينامية جديدة خلقت نوعا من الانفراج السياسي الذي سمح ببناء توافقات سياسية جديدة. وتجلت تلك الدينامية في مبادرة العفو الملكي (1989) والإفراج سنة 1991 عن أزيد من ثلاثمائة من المعتقلين السياسيين الذين تمكنوا من مغادرة معتقلات تازممارت وأكدز وقلعة مكونة، قبل أن يصدر عفو ملكي شامل سنة 1994. كما تم في ذات السنة تحويل العقوبات من الإعدام إلى المؤبد[11].

وتجدر الإشارة إلى كون هذه الفترة تزامنت مع إقرار دستور 1992 الذي تضمنت ديباجته لأول مرة إحالة واضحة إلى حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا[12].

إقرأ أيضا : المحكمة النموذجية والحكامة القضائية

كما شكل تنصيب حكومة “التناوب التوافقي” إشارة قوية وإرادة حقيقية لتكريس مسلسل الانفراج السياسي.

مع العهد الجديد الذي انطلق في سنة 1999، اتضح جليا أن هناك توجها فعليا لترسيخ قطائع إيجابية مع التصورات والأساليب التي طبعت ممارسة السلطة في الماضي القريب. ولعل أبرز تجسيد لهذه الإرادة تمثل في إحداث هيئة التحكيم والمصالحة (2003) التي قادت التجربة المغربية في العدالة الانتقالية، وأرست دعائم نهج جديد في تعاطي الدولة مع ملف حقوق الإنسان، وسعيها لإيجاد حلول قانونية مستدامة للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وملفات الاختفاء والوفيات رهن الاعتقال، وجبر ضرر ضحايا الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان في الفترة الممتدة من 1956 إلى 1999، وتعويضهم. وقد تمخضت عن الأهداف والتوجهات الإستراتيجية للعدالة الانتقالية، كما ترجمت في تقرير هيئة الإنصاف والمصالحة، مسارات إصلاحية أطلقت بدورها سلسلة من الديناميات، لعل أبرزها هو انخراط الدولة في ورش استكمال الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية التي تعد عنصرا أساسيا في الالتزامات الدولية للمغرب[13].

1 2الصفحة التالية

‫9 تعليقات

  1. you are really a good webmaster. The website loading velocity is amazing.
    It kind of feels that you are doing any unique trick.
    Also, The contents are masterpiece. you’ve done a great process
    on this topic! asmr 0mniartist

  2. scoliosis
    I really like your blog.. very nice colors & theme.
    Did you create this website yourself or did you hire someone
    to do it for you? Plz respond as I’m looking to design my
    own blog and would like to find out where u got this from.
    kudos scoliosis

  3. Hello there! This post couldn’t be written any better!
    Reading this post reminds me of my good old room mate! He always kept chatting about this.
    I will forward this article to him. Fairly certain he will have a good read.
    Many thanks for sharing!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

خمسة × ثلاثة =

زر الذهاب إلى الأعلى