“الدولة الوطنية” بعد كورونا

حسن زهيرالإثنين 30 يناير 2023 – 12:12

تابعنا جميعا كيف فرضت جائحة كورونا، في بدايتها، على الإنسانية كثيرا من العجز ونزعت عنها مظاهر القوة، التي ظنت أنها قد تسلّحت بها في العصور الحديثة، بعد أن كانت تعتقد امتلاكها القدرة الهائلة على مجابهة كل الآفات والكوارث والحروب والأمراض والأوبئة. لقد ظهرت الإنسانية، خلال تلك الفترة، أضعف من المتوقع، فبدأت الشكوك تكثر حول آليات ومؤسسات الحداثة التقنو-علمية والتنظيمية، بل والأخلاقية أيضا أي في ما يخص نزعتها الإنسانية والحقوقية. ومع الانتشار الواسع للجائحة بدت وكأنها تهدد الأمن والسلم والاستقرار داخل المجتمعات والدول، كما كان يقال حينها، وفي خضم توالي الأحداث وإحصاء الضحايا اتجهت الأنظار والتطلعات إلى الأنظمة الاقتصادية والسياسية لـ”الدولة الوطنية” من أجل مراقبة تفاعلاتها وردود أفعالها التلقائية والمنظمة، الضمنية والصريحة، السلبية والإيجابية. هذه الانتظارات إذن والتطلعات والأسئلة الكبرى توجهت كلها صوب الممارسات والأجوبة التي قدمتها الدولة الوطنية لمواجهة الوقائع الخطيرة، واستيعاب التخوفات والرهانات التي أصبحت تجابه مؤسساتها الفعلية والأيديولوجية. كل ذلك كان بهدف النظر في سلوكياتها، وفي القيم والمبادئ التي تقوم عليها لتحقيق توازناتها مع مطالب ورغبات الأفراد والجماعات، التي طالما اعتبرت أنها تحمل مسؤوليات تمثيلها أو حمايتها أو رعايتها…

إن الاهتمام الأعظم، إذن، فلسفيا، سياسيا، اقتصاديا وسوسيو-ثقافيا، كان قد وُجِّه نحو الدولة الوطنية كمفهوم وكأنظمة وكسلطة وكآلية شمولية تتحكم في الاختيارات الاستراتيجية للمجتمعات. إن أبرز ما تم ملاحظته وتسجيله عن الدولة الوطنية هاته، في تعاطيها مع الفترة الصعبة من جائحة كورونا، هو اللجوء إلى وظائفها التقليدية، إذ ظهرت متمسكة بأساليب تعود إلى قرون ماضية من قبيل فرض العزل على المرضى والمصابين، بل وتعميمه على المواطنين شيئا فشيئا إلى أن وصلت إلى الحجر الكلي والتام. لقد تذكرت الدولة، هنا وهناك، أنها تحتاج إلى “عنفها المشروع” ليُمكِّنها من مراقبة كل شيء داخل حدودها، سواء تعلق الأمر بالجائحة أو بتجاوزها. هنا بدت الدولة وسلطتها وكأن شيئا لم يتغير في هويتها الكلاسيكية المعروفة…

إقرأ أيضا :  بوريطة يرصد التكلفة المرتفعة لتزايد التهديدات الإرهابية بالقارة الإفريقية

لقد كانت ردود الفعل تجاه ممارسة الدولة لهذا “الأسلوب التقليدي” متنوعة ومختلفة استراتيجيا ومرحليا، إذ طُرح الحديث، حينها، عن مآلات الدولة الوطنية مفهوما وهوية ومؤسسة، وأيضا طُرحت الإشكاليات التي يفرضها عليها العصر الراهن من تحديات العولمة الاقتصادية إلى تفكك السيادة السياسية، بل شاهدنا كيف تناسلت الأسئلة حول علاقاتها المصيرية بهوية الأفراد، وحول معنى الحياة والحرية والتضامن والعيش المشترك داخل مجالها المحدد، إلى غير ذلك من المفاهيم الأخرى المرتبطة بها، والتي اقترح البعض، للإجابة عليها، العودة إلى أفكار كانت قد نُسيت أو تمّ الاعتقاد ببطلانها، كالاشتراكية أو “الدولة الحامية” أو “الدولة الاجتماعية” أو غيرها من المصطلحات القريبة. تلك هي بعض الهواجس والأسئلة التي طرحتها كورونا، وما زالت تطرحها، حول مفهوم الدولة الوطنية وأنماطها وأدوارها ومفاعيلها، خاصة وأن العديد من تلك الجوانب تهم كل مواطن في صميم حياته اليومية، اعتبارا لكون مفهوم الدولة يحتل مكانة متميزة في التجربة الإنسانية المعاصرة، ذلك أنه بقدر ما كانت الدولة توشك أن تغطي المجتمع بأكمله، بقدر ما أصبحت التجربة الإنسانية كلها تجربة سياسية مرتبطة أساسا بالدولة؛ لكن اليوم في مجتمعاتنا الحالية: ماذا تعني الدولة الوطنية، إذ يشاهد الجميع تفككها وفقدانها لكل فاعلية ونفوذ داخل مجالها المحدود، لأن الخوف كل الخوف هو أن الانتماءات اليوم باتت تميل إلى المذهب، إلى العرق، إلى السلطة القبلية أو في أقصى تقدير إلى الفيدرالية الهشة، لا إلى الدولة الوطنية المركزية. إن تراجع مفهوم الدولة الوطنية يطرح سؤال البديل: أهو “اللادولة” كإطار عتيق أم “الدولة الأممية” كما تخيّلها لها فلاسفة القرن الثامن عشر الأوروبي؟ يكتسي السؤال خطورته عندما نتأمل ونرى أن كل أزمات الأرض تُختزل في انحلال مفهوم الدولة الوطنية كما تمثلت في التاريخ الأوروبي الحديث.

إقرأ أيضا :  "وجود موريتانيا غلط".. تصريحات الريسوني تثير زوبعة في بلاد شنقيط‎‎

#الدولة #الوطنية #بعد #كورونا

زر الذهاب إلى الأعلى