qالانسان والقانون الطبيعي مقارنة بين المجتمع البدائي والمعاصر - المنصة القانونية

الانسان والقانون الطبيعي مقارنة بين المجتمع البدائي والمعاصر

الانسان والقانون الطبيعي مقارنة بين المجتمع البدائي والمعاصر

الانسان والقانون الطبيعي مقارنة بين المجتمع البدائي والمعاصر

الانسان والقانون الطبيعي مقارنة بين المجتمع البدائي والمعاصر

بقلم الباحث مبارك الهرد

     بداية تجدر بنا الإشارة إلى بعض تعاريف القانون الطبيعي، فقد عرفه الفيلسوف الروماني شيشرون بأنه قانون يهدف إلى الارتقاء بالقانون الوضعي باعتباره المثل الأعلى الثابت والمشترك بين جميع البشر  (1) .

     أما أفلاطون فقد ربط القانون الطبيعي بالأخلاق التي تستمد من الوجود ، وتوجد قواعدها في الطبيعة البشرية، لكن هذه النظرة الواقعية إلى القانون الطبيعي غيرت منحاها إلى الطبيعة المثالية كأساس معياري فلسفي عند أفلاطون بحيث يرى القانون الطبيعي بمثابة قانون مثالي يحكم العالم الذي يراه أفلاطون مثالي في وجوده الحقيقي   (2)  .

     وهناك تعريفات ما قبل سقراط كتعريف هيراقليطس الذي ربط القانون الطبيعي بالجانب الاعتقادي، بحيث يقول أن القوانين الانسانية سماوية ومرتبطة بقوانين الآلهة (3) .

     فقد أخدنا هذه النماذج من الفلسفتين الرومانية، واليونانية كبدايات أولى للتفكير حول  مصدر القانون الطبيعي على أساس التعريفات الواردة في الموسوعة السياسية، ويمكن أن نعرفه نحن على أنه تلك القواعد، والمبادئ المستمدة من طبيعة الاشياء، التي يكتشفها الانسان بإعمال العقل.

     فمن هنا أصبح  مشروعا الإشارة في معرض حديثنا على أن المجتمع كي يكون منظما وأخلاقيا، لابد من تنظيم معين يحدد لكل إنسان ما له من حقوق وما عليه واجبات. فإذا كانت هذه من المسلمات التي لا تقبل الجدل، ماذا لو بسطنا النظر على هذا المجتمع الذي يعتبر الفرد أحد العناصر المكونة له؟

إقرأ أيضا :واجبات المحامي وحقوقه والآداب التي ينبغي عليه التحلي بها في الفقه الإسلامي والقانون

     ولما كان القانون موجه بالأساس لهذا الفرد ويخاطبه،  إذن فالانسان هو الذي يحمل نزعة الشر مما جعل القانون أمرا ضروريا لتحقيق السلم في حياته، لكن قد نقول أن تلك الأعمال الشريرة النابعة من المجتمع يعود أصلها إلى الانظمة السياسية السائدة فيه، وهنا نستثني الانسان عن هذه الفوضى التي يخاطبها القانون، ويتصدى لها.

     فعندما نعود إلى البدايات الأولى للإنسان، نستضم بأراء فلسفية مختلفة. فهذه الأخيرة تارة تنحو نحو اعتبار  حياة الانسان البدائية حياة مثالية يعش فيها حرية مطلقه، أو ما يمكن أن نسميه طوباوية الحياة الأولى التي نراها مع الفرنسي جون جاك روسو، والانجليزي جون لوك. وتارة أخرى نلتقي بآراء تعتبرها فوضوية يسودها اللانظام الذي كان نتيجة للاستضام بين الحريات الذي نراه  مع هوبز ومن يشاطره الرأي.

     فبطبيعة الحال، رغم وجود نظريات ترى مثالية العصور الأولى أو ما يمكن أن نسميه لذلك “الاشتياق الافلاطوني” للعصور الأولى، لدرجة جعلته يرى الانسان  في ذلك الزمان أقرب إلى الله، إلا أنه لا يمكن نكران أن الانسان في ما بعد حكمه القانون نظرا لخروقاته وشره الذي جعل جانبه الأخلاقي منبعا لمجموعة من القوانين التي نظمت سلوكياته داخل المجتمع  والتي كانت ضرورة لاستمرار هذا الأخير، فللأديان أ.همية كبيره في ترسيخ  مبادئ القانون في المجتمعات، ويظهر لنا  ذلك جليا في كون الأديان حملت للإنسان مجموعة من المفاهيم، والمعتقدات التي تنحو إلى اعتبار الانسان يعيش جدلية داخلية بين الخير والشر. ذلك الشر المتمثل في ارتكاب الخطيئة، والعقاب عليها، مما جعله يدرك مدى أهمية القانون كوسيلة لجعله يتخلص من الجانب الشرير في المجتمع من أجل أن يعيش في إطار التنظيم والتقنين.

     لكن، بعد أن كان القانون يستمد روحه من الدين، تدخلت نزوة الشر الانساني التي تبحث عن مصالحها المادية، ليظهر لنا الرق كنظام اجتماعي  غير عادل ولا يجسد لا القيم الدينية، ولا القانونية بالمفهوم المحض. ورغم ذلك حضت بالقبول من طرف المجتمع الذي تأثر بالأيديولوجية الكاثوليكية التي تحولت في ما بعد إلى أعراف تبرر وجودها.

     ولما كشف الستار عن الاعتقاد الخاطئ بمشروعية الرق الذي رسخته الكنيسة الكاثوليكية  في تصورات الانسان كنظام طبيعي عادل، جاهد الاكويني باعتباره العمود الفقري  لهذه الكنيسة ليوفق بين النظرية اللاهوتية السائدة في ذلك التاريخ، و فكرة القانون. وبالتالي الانتقال من فكرة  القانون كأداة لكبح الشر إلى أداة للتطور الاجتماعي، وكدا هذا التوفيق والتقريب ببن القانون والدين نلاحظه في الفلسفة الإسلامية مع ابن رشد، والفرابي. فعندما نتحدث هنا عن القانون فنحن نتحدث تلقائيا عن القانون الطبيعي كأول قانون نظم المجتمعات القديمة “كقانون اخلاقي” كان موجدا قبل ظهور القانون الوضعي  ،

القانون والأخلاق:

     إن الانسان في حاجة إلى القانون الذي ينقله من حالة الفوضى العارمة إلى حالة النظام، و هذه الحاجة لم تكن نتيجة لتعقد الوضع البشري في العصر الراهن الذي يعرف تطور اجتماعي، ليفرض ضرورة وجود نظمة قانونية تحد من اللانظام السائد، بل إن الإنسان قانوني بطبعه، يحتاج إلى العيش في وسط يخضع فيه للسلطة، وهذه الرغبة في الخضوع الطوعي والإرادي، هناك من يراه منطوي تحت لواء اعتبارات سيكولوجية، وهناك من يربطه بالجانب الفطري الأخلاقي  في الانسان. فهذا الاختلاف ليس إلا نتيجة لاختلاف المنطلقات والمرجعيات. لكن المهم من هذا هو أنه لا يمكن نكران الحاجة الملحة للكائن البشري للعيش في مجتمع منظم في إطار نظام قانوني يحكمه.

     فندما نرجع إلى عهد البابليون نجدهم يؤمنون بأساطير ميتافيزيقية بوجود آلهة ينظمون الحياة البشرية في جميع نواحيها وتجلياتها، فمثلا نجدهم يؤمنون بأسطورة تقر وجود إله عظيم يسمى “انو” وهو إله سماوي ذو سلطة عليا، لا يمكن مواجهة إرادته، كما يوجد إله سفلي يسمى بإله العاصفة.

     فقد كان إله السماء يجسد السلطة العليا، لا تقاوم قراراته التي تتصف بالإلزامية، فإذا قام شخص معين بخرق قراراته سواء أكان بشر أو إله سفلي، يقوم هذا الإله العظيم بإعطاء الأمر “لإله العاصفة ” بتنفيذ الحكم على المخترق للقانون اللاهوتي (4) . 

     انطلاقا من هذه الأسطورة التي اخترعها الانسان يتضح لنا أن صفاته الفطرية جعلت القانون من ضروريات حياته، وبالتالي لما كان هذا صحيحا فإن الخضوع الطوعي للإنسان مرتبط  بفطرته و آدابه، و بالتالي السلطة الشرعية تستمد قوتها من الجانب الأخلاقي في الانسان، حيث كان لابد له من خلق أساطير تجعله يحس بوجود هذا القانون، ففي عصرنا الحالي لا يمكن أن نقول إلا أن فكرة القانون فيه لا تختلف عن الميتافيزيقا اليونانية خصوصا فيما يتعلق وظائف السلط، فإذا كان إله السماء هو الذي يشرع القوانين فإنه بمثابة السلطة التشريعية، وهذه السلطة لا يشاركها إله” انو” مع غيره من اآالهة، لأن وجود إله مشرع آخر إلى جانب هذا الإله سوف يؤدي إلى تجزئة السلطة التشريعية، وبالتالي عدم ادائها لدورها بشكل فعال.

إقرأ أيضا :مقررات نزع الملكية بين القابلية للإلغاء وهاجس المصلحة العامة

     أما بخصوص إله العاصفة فهو يجسد السلطة التنفيذية التي تقوم بتنفيذ القوانين الصادرة من الجهاز التشريعي لكن هنا إله العاصفة فهو مقتصر على التنفيذ المادي للقوانين الزجرية لا القوانين الأخرى وهذا الأمر يجعلن نسلم بتشبت القانون بالقوة التي كانت ركن أساسي للإحساس الفعلي بوجوده، وهنا يطرح الإشكال المتمثل في ازدواجية القانون بالقوة ليؤدي وظيفته على أحسن وجه. لكن لا يمكن اعتبار هذه الفكرة فكرة عامة تجسد منطق القانون حتى في الزمن الغابر الذي لا يتسم بالسمة المعقدة للمجتمع والحضارة، ونلاحظ ذلك في قول “ تريماخوس “ بأن القانون جاء لتجسيد الأخلاقي لأن الانسان خضع له بإرادته، وإن فكرة القسر لا ترتبط بجوهر القانون بقدر ما ترتبط بالجانب المتعلق بالإجراء الأمثل لاحترامه  (5)، فالإنسان يحترمه لأنه قانون يستحق الاحترام، لأنه اخلاقي يعبر عن ارادة الأفراد،لذلك فعنصر اأاخلاق داخل في الخضوع للقانون والامتثال له، بمعنى أن الجوانب الزجرية في القوانين ماهي إلا إجراءات لإصلاح المخالف لها، وجعله يكبح تصرفاته الفوضوية واللا أخلاقية التي تستضم بالنظام القانوني، ونلاحظ تطور هذه الفكرة في العصر الحديث الذي لعبت فيه السيكولوجية وعلم الاجتماع القانوني دورا مهما في إعادة إدماج المجرمين في المجتمع (6)، وهذا لن يكون بطبيعة الحا إلا عن طريق غرس أخلاقية القانون في الفوضويين المخالفين له.  لكن إذا كانت الأخلاق والأدب و السلوك الحسن مرتبط بالإنسان ولا يمكن ربطها بغيره من الأشياء، لكن ماذا عن إذا قام القانون بمقارنة بين شخص طبيعي الذي يعتبر منبع الأخلاق والشخص المعنوي المتمثل في الدولة.

     فهذا الإشكال طرح بين مواطني “أتينا” في اليونان في القرن الرابع عشر حيث شيعت فكرة العيش أمام القانون هو القانون الأسمى حتى ولو تم إعدام شخص حكيم من أجل الدولة، وهذا الأمر يتخالف مع الأخلاق، فقد حاول أفلاطون معالجة هذه المعضلة في مقابلة “كريتو” ونستشف ذلك من أسئلته الحكيمة التي تفضي بفكرة منطقية مفادها أن اختيار إطاعة قانون الدولة ولو كان ظالما يؤدي إلى عدم أخلاقية هذا القانون في حالة إذا لم يكن  بمثابة تجسيد أخلاقي، وهذا الموقف يبين أن وضع القانون في العهد اليوناني أقرب إلى القانون في العصر الحالي، فإذا كانت الألاق أنداك تفرض عدم إطاعة القانون المعارض لها فإن في التشريعات الوضعية الحالية أمكن تعديل القانون الذي تعارض مع المبادئ الأخلاقية عوض تركه في صراع مع الأخلاق، فهذه الإمكانية لم تكن في نظري سوف تتحقق لو لم يتأثر القانون بالفلسفة العقلانية والتنويرية التي حاربت دوغمائية القانون الذي كان في السابق متأثر بالفكر اللاهوتي، والذي كان سائدا في الدول التيوقراطية، فمازلنا نرى الآن تأثر الأعراف بالمعتقدات  خصوصا في أوربا، بحيث يمكن القول أن القانون الأوربي بروتستانتي علماني والعرف الأوربي لاهوتي كاثوليكيي مادام القانون الوضعي تأثر “بالعهد العلمي”  و اأاعراف مرتبطة بالممارسة القديمة.

الدين والقانون الطبيعي :

     فعموما بعض ظهور الأديان السماوية ظهر تأثيرها المباشر على القانون الطبيعي بعدما كان هذا الأخير يكمن في طبيعة الكون، لكن عند ظهور الدين لابد من وقوع نوع من الانفصال إن لم نقول الجدال حول المنبع الراجح أن يكون مصدرا أساسيا للقانون الطبيعي. 

     وهذا ما تأتى في بداية العبرية حيث رفض العبريون بشكل كبير القانون الطبيعي الذي كان سائدا، وخصوصا الذي يتنافى مع إرادة الإله. لذلك اعتبروا القانون الوحيد الذي يجب أن يحترم هو  القانون اللاهوتي، أما التشريعات الوضعية رغم أخلاقيتها فلا أحقية لها أن تحترم مادامت لا تجسد قانون الإله الكوني الذي يصلح لكل زمان ومكان، لكن لما كان لابد من مصدر آخر مكمل أو مجدد للقانون الطبيعي وقادر على تطهيره من ذلك الطابع الجامد والمقتصر على التوراة فقط، استطاعت فئة أن تقنع الناس بكهنوتيتها المتمثلة في قدرتها على اكتشاف قوانين الإله عن طريق الوحي، وبالتالي استغلت هذه الفئة الفرصة لتكون بمثابة مؤسسة تفسر التشريعات الصادرة من الله(7) .

     و هذا لأن المجتمع العبري بحاجة ملحة إلى إحياء القانون العبري وجعله يواكب التطورات والتحولات السريعة للمجتمع، لذلك لم يكن رد الفعل السائد إلى قبول التفسيرات الكهنوتية للقانون إذ إنها بمثابة المفتاح الناجع لحل معضلة الجمود وبت روح التطور في القانون العبري.

إقرأ أيضا :مقررات نزع الملكية بين القابلية للإلغاء وهاجس المصلحة العامة

     أما بخصوص العلاقة التي تجمع القانون الطبيعي بالدين المسيحي فلا تختلف كثيرا عن ما رأينا مع العبريين، وكان البابا هو المفسر للقانون الطبيعي  باعتباره السلطة الدينية التي تعلو عن السلطة الزمنية في القرون الوسطى، لكن بعد تبوث وجود أشياء لم ينظمها القانون الطبيعي ولا البابا بنفسه قادر على سد الفراغات نظرا للتطور الهائل للمجتمع، كان لابد من إيجاد حل لهذه القضية وهذا ما دفع القديس الأكويني ليبين أن القانون الطبيعي لا يمكنه ان ينظم جميع الأشياء نظرا لتطور المجتمعات وبالتالي كان لابد من خلق تشريعات وضعية لإسعاف الموقف، لكن هذه الأخيرة حسب الأكويني مازالت بعيدة عن الأخلاق التي تعتبر من الركائز الأساسية التي يقوم عليها القانون الطبيعي.

     وعلى الاعتبار أن القرنين الخامس عشر والسادس عشر شهدا مجموعة من التطورات طالت حتى العلاقة الدين بالدولة أدى هذا الأمر الى انقسام أوربا إلى قسمين؛ قسم يقيم الولاء للكنيسة المتطرفة، وقسم يطالب باستقلال هذه الأخيرة عن الأمور السياسية والقانونية.

     و في آخر المطاف انتهى هذا الجدال بعد استقلال الدولة بسيادتها الكاملة المستقلة عن السلطة البابوية وبالتالي ظهور انشغالات جديدة واهتمامات أخرى قائمة على الفلسفة العقلانية والراديكالية. ولما كان هذا من اهتمامات العصر كان لابد للقانون أن يتأثر بالمذاهب القائمة وهنا بدأنا نتحدث عن العلمنة القانونية، بحيث أن الترسانة القانونية ابتعدت عن المعتقدات واهتمت بإعمال العقل والملاحظة والتجربة القائمة على أسس علمية.

     وهنا ظهر البحث عن موقع اللاهوت المسيحي في القانون، لتظهر تبريرات تقول أن القانون يجسد إرادة الله مادام هو الذي خلق العلم، والعلم يهتم باكتشاف القانون الطبيعي، فهذه الفكرة هي التي حاولت خلق نوع من المصالحة بين الدين والقانون من جديد، وحاولت تقريب الآراء والحد من الخلاف السائد (8).

     أما بالنسبة للدين الإسلامي فهو لم يربط فكرة القانون الطبيعي باللاهوت بقدر ما ربطها بالعقل السليم القادر على اكتشاف هذا القانون  و نرى في كتابات الفرابي أنه حاول إلى حد كبير التقريب بين النبي الحاكم والفيلسوف الحاكم، بحيث أن أية قوية وقادرة على استنباط الوحي من الله تعالى. وابن رشد الذي دافع عن الفلسفة وأيدها مادامت تسعى إلى اكتشاف المبادئ التي تشكل الحاجات الأساسية للإنسان، وهذه المبادئ هي القانون الطبيعي الذي يكتشف بإعمال العقل لكن هذا القانون من منظور ابن رشد لا يمكن أن يكون متكاملا يغطي مناحي حياة الانسان لأنه اكتشف بالعقل  ولذلك لبد من مزج ماهو عقلاني وماهو مستنبط بالوحي – لاهوتي – لتحقيق الشريعة (9).

القانون الطبيعي في علاقته مع اشكالية تنازع القيم  :

     إن التشابك الكبير الذي عرفته القيم نظرا لكثرة منابعها وتجلياتها في المجتمع الحديث أدى إلى تنازع بين هذه القيم بحيث  يعتبر التمتع بحق معين صراحة، يؤدي بشكل مباشر إلى الإخلال بقيم أخرى وهذا الأمر في الحقيقة يطرح لنا اشكالات عديدة يصعب حلها ببساطة، كما أن مجتمعاتنا لا تعي بخطورة هذه المسألة، ويتضح ذلك في كون العديد من المواطنين يحتجون عندما تقوم الدولة بتقيد بعض الحقوق والحريات الدستورية بنصوص تنظيمية أو بوسائل أخرى، لكن في واقع الأمر هذا التقيد ليس في جوهره إلى محاولة وضع حدود بين القيم ومنع تنازعها. ونلتمس المثال من حرية التعبير كحق دستوري، فهذا الحق إذا جعلنا المواطن يتمتع به  بدون قيود وشروط  سوف يؤدي إلى عدم تمتع المواطن بحق الحماية من الدعاة المتعصبين الذين سيعبرون عن حريتهم وآرائهم المتعصبة وبالتالي سوف  تظهر جماعات كثيرة من هذا النوع لدرجة الفوضى.

     وكذلك حماية الطوائف الدينية والعرقية، وجعلها تتمتع بحقوق مستقلة قد يتحول هذا الحق إلى التفرقة العرقية بين أفراد المجتمع مما يهدد استقرار بقاء الدولة.

     ولمعالجة هذه المسألة كان لابد من خلق آلية ناجعة، و هي التي تتمثل في خلق تراتبية الحقوق؛ أي جعل الحقوق الأساسية التي عادة ما تكون الحقوق الطبيعية والمتأصلة تعلو من حيث الأولوية على نظيرتها التي توجد في الدرجة الثانية أو الدرجة الأقل.

     لكن تنظيم هذه الحقوق بهذه الطريقة يصعب تحقيقه من طرف  المؤسسات التشريعية دون الرجوع إلى الرأي العام الذي يعتبر بمثابة إرادة جماعية قادرة على تحديد تراتبية المبادئ وذلك في كون العقل البشري والفطرة البشرية موحدة ومتساوية إلى حد يصعب معه إيجاد اختلاف على مستوى طبيعة النظر إلى الحقوق الطبيعية التي تمليها الأخلاق البشرية.

     وبالتالي هنا يتضح لنا أن للقانون الطبيعي أهمية كبرى في حل اشكالية تنازع القيم مادام هو قانون أخلاقي ومرادف للإيمان بعقل الانسان كانسان بعيدا عن الفوارق الطبقية والعرقية.

     فإذا كان القانون الطبيعي يكتشف بالعقل السليم فهذا العقل مشترك بين الأفراد مما يجعل مبادئ وقواعد هذا القانون كونية وموحدة لدى جميع الطوائف، فالمشكلة التي تطال هذا القانون تكمن في سوء استخدامه خصوصا إذا اختلط بأشياء أخرى مما يجعلنا نسيء حتى فهم القانون الطبيعي، ومن المفيد أن نشير هنا إلى أنن للفلاسفة صدى كبير في هذا الخلط الدي حال دون استخدام أفضل لهذا القانون وفهمه، فهوبز اعترف بالقانون الطبيعي أو ما سماه هو “العقل الكلي ” لكن جعله متجليا في الدولة  “عقل الدولة”، وهذا الاعتراف نجده مع هيجل لكن في النهاية انتهى إلى تأليه الدولة (10) .

فالقانون الطبيعي  مستمد من  منطق الكون والحياة لا يمكن نكرانه، وإن اختلفت التسميات التي وضعت له فلا يمكن نكران وجوده ودوره في تنظيم الحياة البشرية مند الأزل إلى يومنا هذا، حتى  إذ قلنا أن الحاضر يحكمه القانون الوضعي فهذا الأخير لم يقم بالتغاضي عنه، و إنما تبناه وأعطى له القوة الإلزامية التي تجعله مطاع من طرف البشرية.

هوامش

1.       الموسوعة السياسية .

2.       نفس المرجع .

3.       نفس المرجع .

4.       كتاب حضارة العراق القديم, د/أحمد أمين سليم – الاسطورة اليونانية مذكورة في هذا المرجع . كما انها مذكورة في مجموعة من المرتجع الاخرى الورقية منها و الالكترونية .

5.       كتاب : فكرة القانون /تأليف -د.دينيس لويد / تعريب- المحامي سليم الصويص  .

6.       مقال : دراسات سوسيولوجية لبعض القضايا السجنية / عبد الحق دوق – صفحة هيسبريس الالكترونية 

7.       المرجع السابق /فكرة القانون .

8.       المرجع السابق /فكرة القانون .

9.       ابن رشد / كتاب :تهافت التهافت /الطبة الاولى -المطبعة الاعلامية -مصر 1302 ه‍ .

10.     من كتاب التشريع الاسلامي -مناهجه و مقاصده /الجزء الثالث/الكاتب _محمد تقي المدرسي .

الانسان والقانون الطبيعي مقارنة بين المجتمع البدائي والمعاصر الانسان والقانون الطبيعي مقارنة بين المجتمع البدائي والمعاصر الانسان والقانون الطبيعي مقارنة بين المجتمع البدائي والمعاصر

للتواصل أو النشر في الموقع

قم بتحديث الصفحة إذا وجهت مشكلة في كتابة البيانات

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي بحقوق الطبع والنشر !!
إغلاق
إغلاق