qالإفراغ للاحتياج في عقد الكراء المدني

الإفراغ للاحتياج في عقد الكراء المدني

الإفراغ للاحتياج في عقد الكراء المدني

مقدمة:


يعد توفير مسكن خاص من أبرز الرغبات الإنسانية لكونه مرتبط بالاستقرار، لذا شكل الحق في السكن مطلبا اجتماعيا للعديد من الحركات الاحتجاجية على مر التاريخ، الأمر الذي دفع بالدول إلى اتخاذ العديد من الإجراءات من أجل ضمانه، حيث كرسته العديد من المواثيق الدولية منها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر سنة 1948 في مادته 25 ، وكذا العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية من خلال مادته 11 ، مما دفع المشرع المغربي إلى إقراره كحق دستوري في المادة 31 من دستور 2011 متجاوزا بذلك النقص الذي ساد الدساتير القديمة. لذا أصبح ضمان الحق في السكن توجها أساسيا في المخططات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العديد من الدول.


ويتجسد الحق في السكن، في امتلاك مسكن يأوي الفرد من التشرد، لكن أمام عجز الكثير من الفئات الاجتماعية عن توفير مسكن خاص لها نتيجة ضعف القدرة الشرائية فإنها تضطر إلى إبرام عقود كرائية تشكل بديلا واقعيا للتمتع بهذا الحق.


إلا أنه أمام اشتداد أزمة السكن نتيجة الحرب العالمية الأولى ونزوح العديد من الأوروبيين نحو المغرب طمعا في الامتيازات التي توفرها لهم سلطات الحماية، إضافة إلى رغبة مشرع فترة الحماية في حماية المكتريين من المضاربين العقاريين فإنه أصدر ظهير 5 ماي 1928 القاضي باتخاذ تدابير وأوامر وقتية بخصوص عقود الكراء الراجعة للمساكن وما شابهها، والذي وصف من خلال تسميته بأنه “لحظي ومؤقت” في انتظار إعداد قانون خاص بالكراء السكني بعيدا عن مقتضيات قانون الالتزامات والعقود الذي يعتبر الشريعة العامة والذي أثبت قصوره عن الإلمام التام بمشاكل السكن ونزاعات الأكرية، إذ عمل هذا الظهير على منح السلطة التقديرية للقضاء في تحديد الأسباب المشروعة للإفراغ دون وضعها على سبيل الحصر، الأمر الذي شكل فراغا تشريعيا أثر سلبا على استقرار العلاقات الكرائية، فعمل الملاك على إغلاق محلاتهم وامتنعوا عن إيجارها تفاديا لمختلف المشاكل والنزاعات، الأمر الذي زاد من تفاقم أزمة السكن، ولتجاوز ذلك عمل المشرع على إصدار ظهير 25 مارس 1941 المتعلق بالعقوبات الواجب تطبيقها ضد الملاك الرافضين إيجار عقاراتهم، ثم ظهير 23 أبريل 1941 وغيرها من الظهائر وصولا لظهير 25 دجنبر1980 الذي يعد أبرز تشريع خاص بالكراء السكني والمهني، إذ أتى بعدة مستجدات ذات أهمية كبرى من قبيل التأكيد على أن عقد الكراء لا ينتهي بانتهاء مدته وإنما بتوجيه إشعار بالإفراغ إلى المكتري مبني على أسباب جدية ومشروعة محددة بمقتضى القانون.


إلا أن هذا الظهير قد أوغل في حماية مصالح المكتري باعتباره الطرف الضعيف في العلاقة الكرائية خاصة مع بروز فكرة حماية المستهلك، الأمر الذي هدد مصالح المكري في استرداد ملكه عند حاجته إليه، رغم خضوعه لبعض التعديلات بمقتضى القانونين 63.99 و64.99 إذ لم يستطع مواكبة نزاعات الأكرية بالشكل المطلوب في إطار تدعيم الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية لعقد الكراء المدني. مما دفع المشرع إلى سن القانون 67.12 الذي عوض القانون 6.79 لتجاوز مختلف هذه الإشكالات. حيث أتى بمجموعة من المستجدات لعل أبرزها تطبيق هذا القانون على عقود الكراء الخاضعة لشكليات الإبرام المنصوص عليها في المادة الثالثة منه، بالإضافة إلى جمع شتات العديد من القوانين الخاصة بالكراء المدني في مدونة جديدة وإدخال العديد من التعديلات المهمة عليها.
وتعتبر إشكالية إنهاء عقد الكراء أبرز إشكال يعالجه قانون الكراء السكني والمهني، لكونه يحمل آثارا بالغة الأهمية بالنسبة لطرفي العلاقة الكرائية، إذ أن إنهاء الرابطة القانونية بين المكري والمكتري لا تبدو بتلك البساطة الإجرائية التي يتم إتباعها في باقي العقود، خصوصا إذا علمنا أن المشرع ظل مقيدا بضرورة التوفيق بين مصالح المكري وحقوق المكتري أثناء إنهاء العقد، ولعل هذا راجع إلى التصادم الحاصل بين حق الملكية كأبرز الحقوق العينية من جهة، وحق السكن كحق شخصي من جهة ثانية؛ إذ أن ضمان أحدهما لا يكون إلا على حساب الآخر خاصة وأن كليهما مضمونان دستوريا. وأمام هذه الأهمية أفرد المشرع لإنهاء عقد الكراء بابا خاصا به ضمن القانون 67.12 وهو الباب السابع الذي حدد فيه المشرع الأسباب الجدية والمشروعة لإنهاء العلاقة الكرائية على سبيل الحصر تفاديا لتعنت المكري في المطالبة بالإفراغ لأي سبب حتى لو كان تافها، وجعل أهمها الإفراغ لاحتياج المكري أو زوجه أو أحد أقاربه المحددين على سبيل الحصر، والذي يعتبر موضوعا لهذا البحث.
فالإفراغ للاحتياج هو ذلك الطلب الذي يهدف من خلاله المكري إلى إنهاء عقد الكراء الذي يربطه بالمكتري نظرا لحاجته لهذا السكن بسبب تغير ظروفه العائلية أو الصحية أو بفعل تغير ظروف عمله أو دراسة أبنائه إلى غير ذلك من مظاهر الاحتياج التي يمكن للمكري الدفع بها اعتبارا لكونه الأولى بالانتفاع بملكه من الغير. وقد حصرنا دراسة هذه الإشكالية في عقد الكراء المدني وذلك تحديدا لنطاق البحث وتمييزا له عن عقد الكراء التجاري المنظم بمقتضى القانون 49.16. إلا أن الإفراغ الذي نعنيه في هذا السياق هو المنصب على الأماكن المعدة للسكنى أو للاستعمال المهني والذي يكون بناء على دعوى قضائية بتصحيح الإشعار بالإفراغ وبالتالي لا يدخل في نطاق الدراسة حالات الإفراغ التي تتم بشكل حبي بين الأطراف.


لقد تحكم في اختيارنا لهذا الموضوع مجموعة من الدوافع الذاتية نجمل أهمها في: اهتمامنا الكبير بالقانون المدني إدراكا منا بأنه المنطلق الذي يجب الارتكاز عليه في الدراسات القانونية، لذلك كان العزم الأكيد على اختيار موضوع مرتبط بالمجال المدني، هذا فضلا عن حداثة التعديلات المتعلقة بالتشريع المنظم لإشكالية الإفراغ بسبب الحاجة للسكن، كما أنه من المواضيع التي يمكن للطالب الباحث التوسع فيها مستقبلا، دون أن ننسى أن ندرة الأبحاث في جزئية الإفراغ للاحتياج كانت حافزا دافعا للتركيز على هذه الإشكالية رغبة منا في تحقيق السبق العلمي في هذا المجال.
وأما الدواعي الموضوعية فتتجسد في كونه موضوعا يتصف بالجدة والراهنية، كما أن المستجدات التي أتت بها غالبية المقتضيات التشريعية التي تنظم هذه الإشكالية لتشكل دافعا موضوعيا لاختيار البحث في هذا المجال، دون أن ننسى ارتباطه بالجانب الحقوقي من خلال تقاطعه مع حق من الحقوق الدستورية ألا وهو الحق في السكن في علاقته بحق الملكية، بالإضافة إلى ما لقضايا الكراء عموما وللإفراغ للاحتياج خصوصا من أهمية اقتصادية واجتماعية وسياسية مما سيضفي نوعا من الواقعية والعملية لبحث ينجز في هذا الإطار، كما أن الإشكالات التي تطرحها أحكام الإفراغ وحجم القضايا التي تعرض على المحاكم المغربية بمختلف درجاتها كانت من بين أبرز الأسباب التي دفعت فريق البحث إلى اختيار البحث في هذه الإشكالية.


إن مرحلة البحث في هذا الموضوع لم تكن بالأمر السهل إذ واجهتنا عدة صعوبات كان أهمها قلة المراجع المتخصصة في إشكالية البحث إن لم نقل أنها منعدمة فكل المراجع المتاحة تتحدث عن إنهاء عقد الكراء بصفة عامة وتؤطر الإفراغ للاحتياج في حيز صغير كسبب من أسباب انتهاء العلاقة الكرائية وليس باعتبارها إشكالية لابد وأن تستأثر بالاهتمام والتحليل. وحتى إن وجدت مراجع تعالج بنوع من التفصيل هذه الإشكالية إلا أنها كانت تتناولها في ظل القوانين القديمة الأمر الذي يحتم على الباحث بذل جهد مضاعف في التعامل مع المعلومة من جهة ومقاربتها وفق النص المعمول به حاليا من جهة ثانية. كما أن طبيعة الإشكالية موضوع الدراسة وارتباطها الكبير بالاجتهاد القضائي والتوجهات الفقهية التي تتضارب حولها حتمت علينا البحث عن مقالات وأحكام قضائية لإغناء البحث والإلمام بإشكالاته فكان من اللازم التنقل لكبريات المكتبات في عدة مدن، وأشهر المواقع الجامعية، بالإضافة إلى حضور النسخة 23 من المعرض الدولي للنشر والكتاب بالبيضاء من أجل التنقيب عما يفيد موضوع البحث.


وسنحاول من خلال صفحات هذا البحث المتواضع أن نعالج الإشكاليات التي تطرحها قضية الإفراغ للاحتياج وذلك من خلال الإجابة عن إشكالية جوهرية وهي: كيف عمل المشرع والقضاء المغربيين على التوفيق بين مصالح المكري في استرجاع ملكه وبين حق المكتري في الاستقرار بالمسكن من خلال القانون 67.12؟


إلا أن هذه الإشكالية الجوهرية تتفرع عنها عدة تساؤلات فرعية من قبيل: كيف صاغ المشرع حماية الطرفين في ميدان يسود فيه سلطان الإرادة؟ وهل تم ذلك على حساب نظرية العقد والالتزامات التبادلية؟ وكيف تعامل القضاء مع هذه المقتضيات الجديدة التي نزل بها المشرع إلى ساحة العدالة في السنوات الأولى من تطبيق القانون 67.12؟ وما هو نطاق تطبيق القواعد المتعلقة بالإفراغ لحاجة المكري للسكن؟ وأين تتجسد صور الاحتياج المبرر التي يمكن الاستناد عليها؟ ثم ماذا عن التدابير والإجراءات سواء منها القضائية أو غير القضائية الواجب إتباعها لبلوغ الإفراغ؟


وتماشيا مع إشكالية الموضوع فإننا نفترض أن رهان التوفيق بين مصالح المكري وحقوق المكتري هو أمر صعب المنال تشريعيا وعمليا، لأن تكريس ضمانة للمكتري لن يكون إلا على حساب المكري والعكس صحيح، ولذا فإن كل ضمان أو مصلحة مقررة لأحد طرفي العقد ستكون على حساب الآخر.


وللإجابة عن هذه الإشكالات فإن موضوع البحث فرض علينا تبني منهج تحليلي من خلال الوقوف على روح بعض النصوص القانونية المؤطرة للإفراغ بسبب الحاجة للسكن والاسترشاد بتفسير الفقه واجتهاد القضاء من أجل الكشف عن غاية المشرع من وضع نص معين، بالإضافة إلى مقاربة النصوص القانونية بعضها ببعض بهدف تشكيل زاوية نظر صحيحة لقصد المشرع حول بعض المقتضيات المنظمة لإشكالية الدراسة. ولما كانت الدراسات القانونية من حيث الجوهر تقبل بالتعددية المنهجية؛ فقد تم الاعتماد بالأساس على المنهج المقارن من خلال المقارنة بين القانون المعمول به في قضايا الأكرية السكنية والمهنية(67.12) مع نظيره المعتمد في الكراء التجاري والصناعي والحرفي(49.16)، كما عملنا من خلال هذا البحث على المقارنة بين ظ 25 دجنبر 1980 –الملغى- ونظيره الجاري به العمل(ظ19 نونبر 2013) من أجل تحديد أبرز المستجدات التي كرسها القانون الجديد وكذا الضمانات الممنوحة لطرفي العلاقة الكرائية في سبيل كسب رهان التوفيق بينهما.


اعتبارا لما تقدم ومن أجل الإجابة عن الإشكاليات والتساؤلات التي يطرحها موضوع البحث فإن الأمر يقتضي منا تقسيمه إلى فصلين وفق التصميم التالي:

الفصل الأول

الإفراغ للاحتياج ضوابطه وصوره.


الفصل الثاني

المسطرة المتبعة لبلوغ الإفراغ من المحل المؤجر.

قراءة البحث أونلاين أو يمكنكم تحميله بالأسفل

البحث-13-الإفراغ-للاحتياج-في-عقد-الكراء-المدني-معاذ-الأنصاري-والشريف-لمراني-علوي-صفحة-مستجدات-الساحة-القانونية

تحميل البحث بالكامل

للتواصل أو النشر في الموقع

قم بتحديث الصفحة إذا وجهت مشكلة في كتابة البيانات

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي بحقوق الطبع والنشر !!
إغلاق
إغلاق